◄ قراءة في معضلة السياسة النقدية بين صدمة العرض ومخاطر الركود التضخمي – السيناريوهات المحتملة
مدخل: حين تعجز السياسة النقدية عن طباعة جزيئات النفط
منذ اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في مطلع عام 2026، دخل الاقتصاد العالمي في طور جديد من عدم اليقين الجيوسياسي، انعكس مباشرةً على بنية القرار النقدي للمصارف المركزية الكبرى. فإغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية قبل الحرب، وما أعقبه من قفزة في أسعار خام برنت إلى ما يفوق 120 دولاراً للبرميل في الذروة، ثم استقراره عند مستويات تتجاوز 104 دولارات وفق تقديرات البنك المركزي الأوروبي، أعاد إلى الأذهان شبح أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، حيث تتقاطع صدمة العرض الحقيقية مع هشاشة التوقعات التضخمية.
العبارة التي ردّدها الاستراتيجيون في الأسواق – «المصارف المركزية لا تستطيع طباعة جزيئات النفط» – تختصر جوهر المعضلة: فالأدوات النقدية التقليدية، من رفع أو خفض أسعار الفائدة، وعمليات السوق المفتوحة، وتعديل الاحتياطيات الإلزامية، تعجز عن معالجة صدمة عرض ناتجة عن انقطاع فيزيائي للإمدادات. وهذا ما يضع محافظي المصارف المركزية أمام مفاضلة قاسية بين دعم النمو وحماية مصداقية تثبيت التضخم.
أولًا: التداعيات على المصارف المركزية في الاقتصادات المتقدمة
1. الاحتياطي الفيدرالي الأميركي: من دورة التيسير إلى "الانتظار والترقب"
قبل اندلاع الأزمة، كانت الأسواق تتسعّر دورة تيسير نقدي تتضمن خفضاً تراكمياً لأسعار الفائدة الفيدرالية يتراوح بين 50 و75 نقطة أساس خلال عام 2026. غير أن صدمة الطاقة قلبت المشهد رأساً على عقب، إذ ارتفعت توقعات التضخم في الولايات المتحدة، ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يُتوقع أن يبلغ التضخم الأميركي 4.2% خلال 2026، أي أعلى بنحو 1.2 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة للأزمة، فيما لامس مؤشر أسعار النفقات الاستهلاكية الأساسي (Core PCE) عتبة 3% على أساس سنوي.
نتيجة ذلك، عدّل بنك الاحتياطي الفيدرالي خطابه نحو نبرة أكثر تشدداً (Hawkish)، وعاد سرديّة "أعلى لفترة أطول" (Higher for Longer) إلى الواجهة. وتشير محاضر اجتماع لجنة السوق الفيدرالية المفتوحة (FOMC) في مارس 2026 إلى أن غالبية الأعضاء باتوا يتوقعون أن يكون التقدم نحو هدف التضخم البالغ 2% أبطأ مما كان متوقعاً، مع إشارة بعض الأعضاء إلى أن استمرار ارتفاع التضخم قد يبرر العودة إلى مسار رفع الفائدة. وقد عدّلت مؤسسات مالية كبرى مثل تشارلز شواب توقعاتها لتشمل إما خفضاً واحداً فقط أو عدم خفض على الإطلاق حتى نهاية 2026.
2. البنك المركزي الأوروبي: معضلة التضخم الركودي بامتياز
يواجه البنك المركزي الأوروبي بقيادة كريستين لاغارد المعضلة الأشد تعقيداً، نظرًا لاعتماد منطقة اليورو الكبير على الطاقة المستوردة. ففي اجتماع 19 مارس 2026، قرر المجلس الإداري إبقاء الفائدة الرئيسية عند 2%، مع تعليق دورة الخفض المُخطط لها، ورفع توقعات التضخم لعام 2026 إلى 2.6%، وخفض توقعات النمو إلى 0.9% فقط. كما حذّر البنك صراحةً من أن استمرار النزاع سيدفع اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا نحو ركود فني بحلول نهاية 2026.
الأخطر من ذلك أن مؤشر TTF الهولندي للغاز قفز إلى ما يفوق 60 يورو/ميغاواط ساعي في ظل احتياطيات أوروبية لا تتجاوز 30% من السعة. وقد تجاوز التضخم في منطقة اليورو 3% في أبريل 2026، مما دفع بعض الاقتصاديين، مثل يائيل سلفين كبيرة الاقتصاديين في KPMG، إلى التحذير من احتمال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو إلى 2.25% – وهو تحول جذري عن مسار التيسير المتوقع قبل الأزمة.
3. بنك إنكلترا واحتياطي أستراليا: المحاكاة المتأخرة في المملكة المتحدة، يُتوقع أن يخترق التضخم عتبة 5% خلال 2026، وهي الأعلى أوروبياً، ما اضطر بنك إنكلترا إلى التلميح – عبر محافظه أندرو بايلي – بأن صدمة طاقة طويلة الأمد قد تجبر البنك على رفع تكاليف الاقتراض. أما الاحتياطي الفيدرالي الأسترالي، فقد سبق غيره ورفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.35% بعد قفز التضخم إلى 4.6% في مارس صعوداً من 3.7%.
ثانيًا: التداعيات على مصارف الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية
1. هشاشة الميزانيات وضغوط العملات
تواجه المصارف المركزية في الأسواق الناشئة معادلة شبه مستحيلة: فقوة الدولار الأمريكي في الأيام الأولى للحرب أدت إلى ضغوط حادة على عملاتها، فيما تفرض الفجوة بين أسعار الفائدة المحلية والأميركية قيوداً صارمة على هامش المناورة. ووفقاً لتقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2026، فإن ارتفاع الدين العام والاعتماد المتزايد على الإصدارات قصيرة الأجل يرفعان مخاطر إعادة التمويل (Rollover Risk) في أسواق السندات السيادية الأساسية، مع احتمال إعادة إحياء ما يُعرف بـ "الترابط بين السيادة والمصارف" (Sovereign-Bank Nexus).
وفي السيناريو الحاد الذي يطرحه الصندوق، يُفترض أن ترتفع أسعار النفط (الغاز) بنسبة 100% (200%) عن مستويات يناير 2026، وأن تتسع هوامش المخاطر السيادية في الأسواق الناشئة باستثناء الصين بمقدار 100 نقطة أساس، فيما ترتفع علاوات مخاطر الشركات بنحو 200 نقطة أساس. هذه الديناميكية تعني عملياً تشديداً قسرياً للأوضاع المالية الخارجية، يُقيّد قدرة المصارف المركزية في الأسواق الناشئة على دعم النمو.
2. إيران: حالة الانهيار النقدي الشامل
على المستوى الإيراني تحديداً، تكشف الأرقام عن أزمة نقدية مكتملة الأركان: فقد قدّر صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1% في 2026، مع تضخم يبلغ 68.9%، وانهيار الريال الإيراني إلى نحو 1.32 مليون ريال للدولار. وقد بلغ التضخم الغذائي 105%، فيما اضطر البنك المركزي الإيراني إلى إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 ملايين ريال – الأكبر في تاريخ البلاد – في محاولة لاستيعاب التضخم وتلبية الطلب على الكاش. وقد دعا محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي الرئيس مسعود بزشكيان إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لاستقرار الاقتصاد، بما في ذلك السعي لإبرام اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.
ثالثًا: المصارف المركزية الخليجية ومعضلة "التثبيت بالدولار"
تكتسب الحالة الخليجية أهمية استثنائية، نظراً لتثبيت خمس عملات من عملات مجلس التعاون الست بالدولار الأميركي (باستثناء الدينار الكويتي المربوط بسلة عملات سرية الترجيحات). وتعمل هذه المصارف المركزية تاريخياً كظلٍّ للسياسة النقدية الفيدرالية الأميركية، مما يحرمها من استقلالية القرار النقدي.
في 8 أبريل 2026، وقّعت الإمارات اتفاق مبادلة عملات مع البنك المركزي البحريني بقيمة 20 مليار درهم (5.4 مليار دولار) على مدى خمس سنوات، لدعم الدينار البحريني الذي يعاني من ضغوط مضاعفة جراء انخفاض صادرات الألمنيوم والنفط (التي تشكل أكثر من ثلثي الإيرادات الحكومية). وفي تطور أكثر حساسية استراتيجياً، أفادت تقارير صحيفة وول ستريت جورنال بأن مسؤولين إماراتيين لمّحوا إلى احتمال اللجوء إلى اليوان الصيني أو عملات أخرى لتسوية صفقات النفط في حال شحّ الدولار، وطالبوا بفتح خط مبادلة عملات مع الاحتياطي الفيدرالي – وهو ما أكد الرئيس دونالد ترامب أنه قيد الدراسة.
هذه التطورات تعيد طرح سؤال هيكلي بشأن صلابة منظومة "البترودولار". ورغم أن المحللين، ومن بينهم دان ألماريو من Alpine Macro، يرون أن فكرة "البتروـ يوان" أو "البتروـ يورو" تبقى بعيدة المنال، إلا أن مجرد طرح هذه الخيارات على الطاولة من قِبل حليف خليجي رئيسي يمثل إشارة تحذير لواشنطن. ويُذكر أن السعودية كانت قد بدأت قبول اليوان كعملة دفع لمشتريات النفط الصينية منذ 2023، في خطوة فُسرت آنذاك على أنها رسالة سياسية بالدرجة الأولى.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة للسياسة النقدية العالمية
السيناريو الأول: التهدئة وعودة التيسير التدريجي (احتمال متوسط)
يفترض هذا السيناريو التوصل إلى تسوية دبلوماسية تُعيد فتح مضيق هرمز جزئياً خلال الربع الثالث من 2026، مع تراجع أسعار النفط نحو نطاق 75-85 دولاراً للبرميل. في هذه الحالة، يستأنف الاحتياطي الفيدرالي دورة الخفض ابتداءً من الربع الرابع بمقدار 25-50 نقطة أساس، ويلحق به البنك المركزي الأوروبي وبنك إنكلترا. تستفيد الأسواق الناشئة من تخفيف الضغط على عملاتها، وتعود تدفقات رؤوس الأموال تدريجياً، مع تطبيع أوضاع السيولة في أسواق السندات السيادية.
السيناريو الثاني: الركود التضخمي المُمتد (الأكثر ترجيحاً)
يقوم هذا السيناريو، الذي يحظى بأعلى احتمال وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي، على فرضية استمرار النزاع وتذبذب الإمدادات النفطية، مع بقاء أسعار النفط في نطاق 90-110 دولارات للبرميل. عندئذ، تجد المصارف المركزية الكبرى نفسها في وضع "الانتظار والترقب" (Wait and See)، مع ميل واضح نحو السياسة الانكماشية لمنع الآثار الموجة الثانية للتضخم (Second-Round Effects)، خاصة عبر مطالب الأجور. ويتسبب هذا في تباطؤ النمو العالمي إلى ما دون 3%، ودخول كل من ألمانيا وإيطاليا في ركود فني، مع إجهاد متصاعد لميزانيات الأسواق الناشئة.
السيناريو الثالث: التصعيد الكامل والصدمة المالية المنهجية (احتمال منخفض ولكن ذو تأثير عالٍ)
في هذا السيناريو الكارثي، يستمر إغلاق مضيق هرمز ما بعد منتصف 2026، وتتجاوز أسعار النفط 150 دولاراً للبرميل، مع تجاوز التضخم في الاقتصادات المتقدمة عتبة 6%. هنا، تُجبر المصارف المركزية على رفع الفائدة رغم تراجع النمو، وفقاً لمبدأ "حماية المصداقية أولاً" (Credibility Anchor). يقابل ذلك ضرورة التدخل بأدوات السيولة الطارئة لمنع تجمّد الأسواق، عبر تنشيط خطوط مبادلة الدولار (Dollar Swap Lines) بين الاحتياطي الفيدرالي والمصارف المركزية الحليفة. كما تُختبر صلابة تثبيتات العملات الخليجية بالدولار، ويتسارع البحث عن أصول احتياطية بديلة (الذهب، اليوان، اليورو)، مع احتمال أزمات ديون سيادية متسلسلة في الاقتصادات الناشئة الأكثر هشاشة.
السيناريو الرابع: إعادة هيكلة البنية النقدية الدولية (احتمال منخفض، أفق متوسط)
على المدى الأبعد، قد تُفضي الأزمة إلى تسريع اتجاهات التشظي النقدي وتعدد أقطاب الاحتياطي العالمي. ومن المؤشرات الدالة على ذلك: تراجع نسبي لحصة الدولار في احتياطيات المصارف المركزية، توسع استخدام اليوان في تسويات الطاقة، تنامي الاتفاقيات الثنائية لمبادلة العملات بعيداً عن منظومة سويفت، وتعاظم دور العملات الرقمية للمصارف المركزية (CBDCs). هذا السيناريو لا يلغي الدولار كعملة احتياط رئيسية، لكنه يُضعف "الامتياز الفائق" (Exorbitant Privilege) الذي تتمتع به الولايات المتحدة منذ نهاية حقبة بريتون وودز.
خامساً: قنوات الانتقال الرئيسية إلى السياسة النقدية
◄ 1. قناة الطاقة المباشرة
ارتفاع أسعار النفط والغاز يُترجَم مباشرة إلى ارتفاع التضخم العام (Headline Inflation)، وهو ما يحدّ من هامش التيسير لدى المصارف المركزية، خصوصاً تلك التي تلتزم بأهداف تضخم محددة (Inflation Targeting Regimes). وقد قدّرت وكالة الطاقة الدولية صدمة العرض الحالية بأنها "الأكبر في تاريخ سوق النفط العالمية".
◄ 2. قناة التوقعات التضخمية
يُمثّل تثبيت التوقعات (Anchoring Expectations) جوهر مصداقية البنك المركزي. وأي انفلات في توقعات التضخم متوسطة الأجل يدفع إلى تشديد نقدي وقائي، حتى في غياب طلب فعلي. وقد أشارت دراسة بنك دالاس الفيدرالي إلى أن أثر الحرب على توقعات التضخم لخمس إلى عشر سنوات يبقى محدوداً (لا يتجاوز 0.07 نقطة مئوية)، شرط بقاء الصدمة قصيرة الأجل.
◄ 3. قناة الأوضاع المالية
ارتفاع عوائد السندات السيادية، واتساع هوامش الائتمان للشركات، وتراجع أسواق الأسهم – كلها ديناميكيات تشدد الأوضاع المالية تلقائياً، بما يُعادل جزئياً أثر رفع الفائدة. وقد شهدت أسواق السندات العالمية موجة بيع كبرى في الأسابيع الأولى للحرب، مع تضرّر سندات الخزانة البريطانية (Gilts) بشكل خاص.
◄ 4. قناة سعر الصرف
أدى ارتفاع "علاوة الملاذ الآمن" للدولار إلى ضغوط على عملات الأسواق الناشئة، وتفاقم آثار التضخم المستورد (Imported Inflation)، خصوصاً في الاقتصادات المعتمدة على الواردات الغذائية والطاقوية مثل مصر وباكستان وتركيا.
خلاصة وتوصيات: نحو إطار جديد لإدارة المخاطر النقدية الجيوسياسية
تكشف الأزمة الإيرانية–الأميركية أن المصارف المركزية تعمل اليوم في بيئة يُحدّد فيها الجيوسياسي مسار النقدي، لا العكس. وكما قالت لاغارد بصراحة لافتة: "الطبيعة المتقطعة للنزاع – حرب، هدنة، محادثات، انهيار، حصار، رفعه، إعادته – تجعل من الصعب للغاية تقييم الوضع". هذا الواقع يستوجب من صنّاع السياسة النقدية تبنّي إطار جديد للتعامل مع "المخاطر الجيوسياسية النقدية"، يقوم على ثلاثة محاور:
◄ أولاً، تعزيز الاحتياطيات الوقائية وتنويعها بعيداً عن التركّز المفرط في أصول دولارية، مع رفع وزن الذهب الذي عاد إلى دوره التاريخي كملاذ آمن.
◄ ثانيًا، تطوير أدوات السيولة الطارئة عبر شبكة موسعة من خطوط المبادلة بين المصارف المركزية الإقليمية، خصوصاً في منطقة الخليج التي أثبتت حساسية مرتفعة لتقلبات الدولار.
◄ ثالثًا، تبنّي نمط تواصل أكثر شفافية يعترف بحدود السياسة النقدية أمام صدمات العرض، ويُركّز على حماية الاستقرار المالي بأدوات احترازية كلية (Macroprudential Tools)، بدل تحميل سعر الفائدة وحده عبء معالجة كل الاختلالات.
في المحصلة، نحن أمام لحظة مفصلية تُعيد تعريف العلاقة بين الجغرافيا السياسية والنقد العالمي. والمصارف المركزية التي ستنجح في المرحلة المقبلة هي تلك القادرة على المزج بين الانضباط النقدي والمرونة الاستراتيجية، وعلى التحرك ضمن مسار ضيق بين شيلا التضخم وكاريبدس الركود – وهو مسار لا يحتمل خطأً واحداً في التقدير.

دينا الأدغم تكتب: كيف تعيد السوشيال ميديا طرح دور الأب في تشكيل وعي الفتاة؟
استغاثة أهالي حوض نجيح للحكومة لإنهاء أزمة فصل التيار الكهربائي عن منازلهم
دينا الأدغم تكتب: مطار القاهرة الدولي في موسم الحج.. عندما تصبح الكفاءة التنظيمية رسالة طمأنينة وسط تحديات المنطقة







