حفظ النفس من الضروريات الكبرى| جرائم القتل تتصاعد.. حين يغيب ميزان القيم

د. محمد عمر أبوضيف  --   د. رمضان عفيفى
د. محمد عمر أبوضيف -- د. رمضان عفيفى


لم يعد وقوع جريمة قتل حدثًا استثنائيًا، بل أصبح يتكرر بوتيرة مقلقة، ناقلًا الجريمة من نطاق الحوادث الفردية إلى أزمة مجتمعية تهدد الاستقرار، هذا التصاعد يعكس خللًا واضحًا فى المنظومة القيمية، حيث تحوّلت خلافات بسيطة إلى مآسٍ دامية، وغاب صوت العقل أمام اندفاع العنف، ما يستدعى فهمًا أعمق للأسباب وسبل المواجهة.

إقرأيضاً| الإسراف فى الطعام مخالف لمقاصد شهر الصيام

يرى د. محمد عمر أبوضيف، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية سابقًا، أن ما نشهده اليوم من كثرة جرائم القتل يدعو للاستغراب، خاصة أنها تقع أحيانًا لأسباب تافهة لا تستحق الذكر، ويستشهد بما ورد عن النبى محمد  فى وصف حال آخر الزمان: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج»، أى القتل، بل ويصل الأمر إلى أن «لا يدرى القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قُتل»، فى إشارة إلى غياب الوعى وسيطرة الفوضى.


ويُفسّر العلماء، ومنهم ابن كثير، هذه الظاهرة بأنها نتيجة الفتن واضطراب العقول، حيث يختلط الحق بالباطل، فيتصرف الإنسان بطيش وكأنه فاقد للبصيرة، لا لجنون، بل لشدة الاضطراب الفكرى والسلوكي.


ويؤكد أبوضيف أن من أبرز أسباب انتشار القتل: التعلق المفرط بالدنيا، وضعف الوازع الديني، والتهاون بالقيم، إلى جانب تأثير ثقافات دخيلة تُعلى من المادية على حساب الأخلاق، ويشدد على أن المسئولية جماعية، تتوزع على جميع فئات المجتمع، خاصة أصحاب التأثير من علماء وإعلاميين ومربين.


من جانبه، يؤكد د. رمضان عفيفي، عضو القطاع الدينى بوزارة الأوقاف، أن تصاعد جرائم القتل يستوجب معالجة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الأبعاد الدينية والاجتماعية والنفسية، ويشير إلى أن الشريعة الإسلامية شددت على حرمة النفس، مستشهدًا بقوله تعالى: «من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا»، وهو نص يعكس خطورة الجريمة وأثرها على المجتمع بأسره.

إقرأيضاً| ملتقى الأزهر بعد صلاة التراويح يناقش دور زكاة الفطر في تحقيق التكافل الاجتماعي

كما يوضح أن النهى الإلهى فى قوله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم» يشمل تحريم الاعتداء بين الناس أو على النفس، وهو ما أكده محمد سيد طنطاوى فى تفسيره، مبينًا أن التعبير جاء للمبالغة فى الزجر عن القتل، وتصويره كفعل يناقض الفطرة والعقل.


ويضيف أن الإسلام جعل حفظ النفس من الضروريات الكبرى، ولا يمكن لأى مجتمع أن يستقر فى ظل انتشار العنف وسفك الدماء، فالأمن هو أساس التنمية، ويُحذر من الآثار الخطيرة لتلك الجرائم، مثل تفكك الروابط الاجتماعية، وانتشار الثأر، وتراجع التعليم والاستثمار.


ويرجع عفيفى هذا الانحدار إلى عدة عوامل، منها: ضعف التربية الدينية، انتشار ثقافة العنف فى بعض وسائل الإعلام، الضغوط الاقتصادية، والتفكك الأسري، ويؤكد أن المواجهة تتطلب تضافر الجهود عبر تعزيز القيم الأخلاقية، ونشر ثقافة الحوار، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة، إلى جانب توفير دعم نفسى للشباب.


فى النهاية، تبقى حماية النفس مسئولية جماعية، لا تقف عند حدود القانون، بل تمتد إلى الضمير الإنساني، حيث لا سبيل للخروج من دائرة العنف إلا بإحياء قيم الرحمة والعدل، وترسيخ احترام الحياة كحق مقدس لا يجوز المساس به.