قامت الدنيا ولم تقعد بمجرد إذاعة أغنية «من غير ليه» التى ألفها الشاعر مرسى جميل عزيز ولحنها وغناها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عام 1989، عندما تقدم محامٍ غاوى شهرة بدعوى حسبة أمام محكمة الأمور المستعجلة ضد محمد عبد الوهاب وآخرين بزعم أن «واجبه كمسلم دفعه، لرفع هذه الدعوى ضد كل من يتعدى على الإسلام وطالب بمصادرة الأغنية ووقف إذاعتها، واتهم عبد الوهاب بالترويج للإلحاد، وقال فى عريضة الدعوى إنه سأل أحد رجال الدين بشأن كلمات الأغنية، وقد أفتاه بأن من حقه أن ينهى عن المُنكر باللجوء إلى القضاء،
ونسبت الصحف هذه الفتوى إلى الشيخ عبد الله المشد رئيس لجنة الفتوى، ونفى الشيخ عبد الله المشد أمام المحكمة بمذكرة أنه أصدر أى فتوى بهذا الشأن، وتحدى الصحف أن تثبت هذا الزعم بتوقيعه أو صوت مسجل له، وأضاف أن الحديث الشريف يقول: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة؛ فإن القلوب إذا كلت عميت، وإذا عميت لم تفقه شيئًا، ولا يجوز أن يحكم أحد بكفر مسلم، إلا إذا ثبت كفره بدليل قطعى الثبوت وإجماع، وليس بما يفيد الظن والاحتمال»، وقال الشيخ المشد فى مقال بصحيفة «الأهرام» بتاريخ 14ديسمبر1989 : «....، ونستطيع أن نقرر أن مؤلف الأغنية أو مغنيها لا ينطبق عليه الحرمة أو الكفر، لأن خلط المديح بالغزل لا حرمة فيه، فماذا فى كلام الأغنية التى تقول «جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين، ولا عاوزين إيه»، واستعمال الشك للوصول إلى الحقيقة هو مذهب يراه الإمام الغزالى صحيحًا، ولم نجد من العلماء أحدًا حكم بكفر من قال بمثل هذه الأغنية، ولكننا للأسف وجدنا ذلك من قوم قل علمهم بالإسلام ادعوا غرورًا أنهم المدافعون عن الإسلام والعارفون بأدلته وأحكامه وقواعده وأصوله».
وبعد جلسة استغرقت أربع ساعات بمحكمة القاهرة للأمور المستعجلة حكمت المحكمة برفض الدعوى، وكان المحامى قد طلب حضور عبد الوهاب بشخصه، ليعلن أمام المحكمة توبته وتبرؤه من الأغنية وعما اقترف بحق الإسلام فى أداء هذه الأغنية، وقالت المحكمة فى حيثيات رفض الدعوى أن كلمات الأغنية لا تعنى سخرية الإنسان من سر وجوده فى الحياة أو اعتراضه على ذلك، بل تعنى سخرية الإنسان من نفسه وضعفه وقلة حيلته؛ فهو حقًا لا يعرف سر وجوده ولا إلى أين المصير، ولا ترى المحكمة تعارضًا بين كلمات الأغنية وبين قوله تعالى : «وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون»، ومعنى الأغنية بوجه عام بعيد عن المساس بالناحية الدينية، فهى أغنية عاطفية تعبر عن رسالة من حبيب إلى حبيب، ونشأة محمد عبد الوهاب الدينية وحفظه للقرآن الكريم ينأى به عن السقوط فى دائرة الشك أو السخرية من القدر، وقد فقدت الدعوى أى سند لها من الواقع والشريعة ويتعين رفضها.

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







