خبراء: الاستخدام المستمر لمواقع التواصل يؤخر النمو ويسبب التقزم
فى غرف مغلقة وبإضاءة خافتة، يجلس ملايين الأطفال المصريين خلف شاشاتهم، لا يربطهم بالواقع سوى حركات أصابعهم السريعة، فى مشهد أصبح مألوفا فى بيوتنا، بينما يخفى خلفه أرقاما خطيرة.
حيث تشير بيانات المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن 90% من الأطفال (3-18 عاما) غارقون فى تصفح مواقع التواصل الاجتماعى، وغالبا ما يكون ذلك بأسماء مستعارة تمنحهم حرية مزيفة وتضعهم فى مواجهة مخاطر لا يدركونها، ويؤكد المجلس القومى للأمومة والطفولة أن نحو 20% من طلاب المدارس يقضون أكثر من 6 ساعات يوميا فى ملاحقة الألعاب الرقمية..
إقرأيضاً| بعد انتشار جرائم العنف ..الألعاب الإلكترونية.. إدمان «أون لاين»
وبينما يصارع 15% من الأطفال الصغار (9-11 عاما) أعراض «إدمان الإنترنت»، تقفز هذه النسبة لتصل إلى 28% فى مرحلة المراهقة الحرجة (12-15 عاما)، مما ينذر بجيل يعانى من التشتت، وتراجع الأداء الأكاديمى، واضطراب السلوك، ووسط هذه التحديات الرقمية المتسارعة، تبرز مبادرة «معا.. يوم بلا شاشات» التى أطلقتها د. منى الحديدى كدعوة لاستعادة التواصل الإنسانى المفقود..
إقرأيضاً| من «روبلوكس» إلى «السوشيال ميديا».. معركة برلمانية لحماية الأطفال من الفضاء الرقمي
فى هذا التحقيق، نفتح ملف «التربية الرقمية» مع خبراء الطب النفسى والتربية، لنكشف أبعاد التأثيرات الجسدية والنفسية لهذا الإدمان الصامت، ونرسم خارطة طريق للأسر المصرية للنجاة بأبنائهم من فخ الشاشات.
تقول سهام أحمد إن ابنها مهاب -8 سنوات- كان مصابا بحالة خرس، حيث كان يعيش عزلة تامة ولا ينطق سوى كلمات مكررة من فيديوهات اليوتيوب، وبعد اتباع خطة تعافى صارمة واستبدال الشاشات باللعب التفاعلى أصبح يتحدث بطلاقة وبدأ فى تكوين صداقات حقيقية وعاد طفلى إلى حضنى مرة أخرى.
أما سارة -12 عاما- فتتحدث عن تجربتها قائلة: «كنت أقضى 10 ساعات يوميا على منصات التواصل، ما أصابنى بالاكتئاب وعدم الرضا عن شكلى أو حياتى بشكل عام، وعندما سحب والداى الهاتف ومنحانى كاميرا فوتوغرافية، اكتشفت شغفى بتصوير الطبيعة، أدركت حينها أن الواقع أجمل بكثير من الفلاتر، واستعدت سلامى النفسى ونومى الهادئ، وأصبحت أكثر تركيزا فى دراستي».
ويقول أحمد الحسينى إن ابنه آدم الذى يبلغ من العمر 7 سنوات كان يعانى من سمنة مفرطة ونوبات غضب عنيفة بسبب ألعاب الحروب الإلكترونية، وكان يصرخ بجنون إذا انقطع الإنترنت، لكن بعد أن اشتركنا له فى نادٍ لكرة القدم ومُنعت عنه الأجهزة، تحول إلى طفل رياضى واثق بنفسه، وبدلا من كسب المعارك الافتراضية، صار يبذل جهده ليصبح بطلا فى الملعب الحقيقي».
تقول د. منى الحديدى أستاذ الاذاعة والتليفزيون بكلية الاعلام جامعة القاهرة إن فكرة مبادرة «معا.. يوم بلا شاشات» جاءت بعد ملاحظات مشتركة مع مجموعة من أساتذة الإعلام، وذلك من خلال الاطلاع على عدد من الدراسات الأجنبية التى أكدت وجود استخدام غير صحى ومفرط لمواقع التواصل الاجتماعى وتطبيقات الذكاء الاصطناعى والألعاب الإلكترونية..
وجاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى تنظيم وترشيد استخدام التكنولوجيا كإشارة واضحة إلى صحة المسار الذى تسير فيه المبادرة، واعتبرتها بمثابة تتويج للجهود المبذولة، خاصة مع تزايد اهتمام الوزارات والمؤسسات الرسمية بالملف.
وبالفعل عدد كبير من الدول بدأ فى البحث عن طرق لترشيد وتقنين استخدام هذه الوسائل الرقمية، خاصة بين فئة الأطفال والنشء، وعدد من الدول الأجنبية مثل فرنسا وإنجلترا والسويد والهند والدنمارك أصدرت تشريعات تحد من استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى للأطفال فى سن صغيرة، كما تم حظر بعض الألعاب العنيفة، وهو ما انعكس بدوره محليا على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقام بحظر لعبة «روبلكس»..
وهو ما دفع القائمين على المبادرة للتفكير فى واقع مشابه داخل المجتمع المصرى، وتم رصد عدد كبير من الحوادث خلال الفترة الأخيرة فى مصر، كان الأطفال طرفا رئيسيا فيها، نتيجة تأثرهم بما يشاهدونه أو يتابعونه عبر بعض الألعاب الإلكترونية، حيث ارتبطت هذه المتابعات بجرائم قتل وحالات انتحار، بالإضافة إلى ملاحظات شخصية من القائمين على المبادرة حول السلوك اليومى للأطفال فى المراحل العمرية المبكرة..
وتشير إلى أن الأطفال أصبحوا مرتبطين بشكل دائم بالهواتف المحمولة، ولا يمارسون أنشطة حياتية طبيعية، حتى فى الأماكن المخصصة للترفيه مثل النوادى، حيث أصبح المشهد السائد هو جلوس الأطفال ممسكين بالهواتف بدلا من ممارسة اللعب أو الأنشطة الفنية والهوايات المختلفة، وهذا السلوك ينعكس أيضا داخل الأسرة المصرية، حيث لوحظ ضعف التواصل الفكرى والاجتماعى بين الآباء والأمهات وأبنائهم، وأصبح كل فرد منعزلًا عما حوله، منشغلًا بما يشاهده أو يتابعه عبر شاشته الخاصة.
الترشيد لا المنع
وتشرح: «بناء على هذه الملاحظات، تم وضع تصور مبدئى للمبادرة، واختيار شعارها «معًا.. يوم بلا شاشات»، مع التأكيد على أن المقصود ليس الامتناع الكامل عن استخدام التكنولوجيا، لأن التكنولوجيا أصبحت ضرورة حياتية لا غنى عنها فى كثير من المعاملات اليومية مثل الخدمات البنكية أو حجز التذاكر أو حتى بعض الأنشطة التعليمية الخاصة بالأطفال..
الفكرة تقوم على اختيار يوم أو جزء من يوم يقلل فيه الفرد من استخدام الشاشات، سواء كان ذلك فى يوم الاجازة أو من خلال تخصيص ساعة أو ساعتين للأنشطة الاجتماعية والهوايات والتواصل الأسرى، مشيرة الى أن بعض الدراسات أكدت أن التعرض ساعات طويلة لمقاطع الفيديو القصيرة مثل «الريلز» يؤدى إلى حالة من الارتباك العقلى والعاطفى، هذا الارتباك ناتج عن الانتقال السريع بين محتويات متناقضة، حيث قد يشاهد الفرد خبرا عن انتحار شخص ثم ينتقل مباشرة الى مقطع عن حدث سعيد، وهو ما يشبه حالة التخبط الناتجة عن تناول أطعمة غير متجانسة فى وقت واحد، والدراسات أشارت أيضا إلى أن التعرض لمثل هذه المحتويات قبل النوم يؤدى إلى اضطرابات فى النوم، والإصابة بالأرق والأحلام المزعجة، مما يؤثر سلبا على الصحة النفسية والجسدية..
وتقول: «تم إعداد استبيانات تم تطبيقها خوتؤكد الحديدى أن الابتكار والابداع والتفكير النقدى تظل صفات إنسانية لا يمكن أن يحل محلها الذكاء الاصطناعى، مشددة على أهمية ممارسة الأنشطة الواقعية التى تساعد الأطفال على اكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم العقلية.
أداة للتباعد الاجتماعى
من جانبه يقول محمد الحارثى خبير تكنولوجيا المعلومات إن عشوائية استخدام مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت تستحوذ على جزء كبير من حياتنا اليومية، وتؤدى إلى إهدار الوقت والانغماس فى كم هائل من الأخبار السلبية، مما يؤثر على الحالة النفسية والإنتاجية، والابتعاد المؤقت عن منصات التواصل الاجتماعى يساهم فى زيادة التركيز والإنتاج، وهو ما لمسه شخصيا، مشددًا على ضرورة العودة إلى الاستخدام الواعى للإنترنت من خلال البحث والتطوير والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعى بعيدا عن التسطح.. ويؤكد أن منصات التواصل الاجتماعى تحولت من وسيلة للتواصل إلى أداة للتباعد الاجتماعى، مما يستدعى ضرورة إعادة النظر فى علاقتنا بها، وتشجيع الأطفال على استخدام المواقع والألعاب المفيدة التى تحقق التوازن بين الترفيه والفائدة.
زيادة التركيز والانتباه
وتشجع د. هبة على محمد الاستشارى النفسى والتربوى إطلاق مثل هذه المبادرات، مؤكدة على أنها ستحدث فارقا كبيرا لدى الأطفال والكبار على حد سواء، وستسهم فى تعزيز الترابط الأسرى وتقليل القلق والتوتر والاكتئاب الناتج عن الاستخدام المفرط للإلكترونيات.
وتوضح: «من أهم إيجابيات الابتعاد عن الشاشات الهدوء الذهنى وصفاء التفكير وزيادة التركيز والانتباه، وارتفاع معدلات التحصيل الدراسى، بالإضافة إلى تقليل المقارنات الاجتماعية التى تؤثر سلبا على تقدير الذات، ويساعد أيضا على تحسين جودة النوم وضبط الساعة البيولوجية للجسم، ويعزز العلاقات الانسانية الدافئة، سواء داخل الأسرة أو مع الأصدقاء، كما يقوى العلاقة الداخلية مع النفس ويزيد من الشعور بالراحة والتوازن النفسي».
الأسرة هى المسئولة
ويؤكد د. رامى الفقى استشارى طب الأطفال وحديثى الولادة على أن الاستخدام المفرط للشاشات ووسائل التواصل الاجتماعى يؤثر بشكل واضح وسلبى على صحة الأطفال، سواء من الناحية النفسية أو البدنية، مشيرا إلى أن درجة التأثير تختلف وفقا للمرحلة العمرية، فالأطفال أقل من 4 سنوات يعدون الفئة الأكثر تأثرا، حيث يؤدى التعرض المفرط للشاشات فى هذه المرحلة إلى حدوث تأخر فى الكلام وتشتت للانتباه وضعف النظر وحدوث الكثير من المشكلات فى العين وهو أمر مثبت علميا، خاصة مع الجلوس أمام الشاشات لفترات طويلة دون تنظيم.
ويضيف: «فى الفئات العمرية الأكبر والتى تصل إلى 12 أو 13 سنة، قد يتعرض الأطفال للتأثر بالسلوكيات السلبية التى تقدمها بعض وسائل التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام بشكل عام، بالإضافة إلى انخفاض معدلات النشاط البدنى، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على صحتهم العامة، والجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات يؤدى أيضا إلى اضطراب مواعيد النوم، وعدم انتظام اليوم بشكل عام، مما يسبب مشكلات صحية متعددة، منها التأثير على فقرات الرقبة والظهر، فضلا عن الإرهاق العام».
ويتابع د. رامي: «إن المشكلة لا تتعلق بيوم واحد فقط دون شاشات، بل تتطلب أياما كثيرة من التنظيم والوعى، موضحا أن المنع التام غير ممكن فى العصر الحالى، لكن تخصيص يوم أو أكثر لتقليل الاستخدام يعد خطوة إيجابية تساعد الأسر على الانتباه لسلوكيات الأبناء، فالاستخدام المفرط للشاشات يساهم فى خلق حالة من العزلة الاجتماعية لدى الأطفال، كما أن عدم انتظام النوم يعد من أخطر الآثار الصحية، خاصة فيما يتعلق بهرمون النمو لأن الطفل يحتاج إلى نوم منتظم ومبكر، ويفضل أن يكون فى حدود الساعة العاشرة مساء، حتى يحصل الجسم على إفراز طبيعى لهرمون النمو، لكن مع الاستخدام المستمر للشاشات يتأخر نوم الطفل وبالتالى يستيقظ متأخرا، مما يؤثر سلبا على هذا الهرمون، وقد يؤدى فى النهاية إلى قصر القامة مقارنة بالمعدل الطبيعى ويسبب التقزم».
وعن كيفية العلاج شدد د. رامى على أن الدور الأكبر يقع على عاتق الأسرة، وضرورة وضع تعليمات واضحة للأطفال، بحيث لا يتجاوز استخدام الشاشات ساعتين يوميا، على أن تكون هذه المدة متقطعة وليست متواصلة، مع مراقبة المحتوى الذى يشاهده الطفل دون رقابة، ومراعاة ألا يكون المحتوى مؤثرا نفسيا عليه، مع وجود نوع من التحكم والإشراف الأسري.
ويؤكد على أهمية التحدث المستمر مع الطفل، وخلق بدائل حقيقية تشغل وقت فراغه، مثل ممارسة الأنشطة الرياضية أو قراءة القصص المناسبة لمرحلته العمرية، مشيرا إلى أن لجوء الطفل للشاشات غالبا ما يكون نتيجة الفراغ وعدم وجود بدائل جذابة، وتوفير الأنشطة البديلة يجعل الطفل أكثر سعادة وحركة، ويقلل من انجذابه للشاشات، والتربية والتوجيه والتحذير مسئولية أساسية تقع على الأهل، حيث إن تنفيذ هذه التوجيهات داخل المنزل هو العامل الحاسم فى حماية الأطفال من أضرار الاستخدام المفرط للشاشات، وفى النهاية التوعية المجتمعية من خلال مثل هذه المبادرات تمثل خطوة مهمة نحو حماية صحة الأطفال وبناء جيل أكثر توازنًا.
حبايبنا| «فاطمة» تكسر القيود وتصنع التاريخ
ديكور| شطب شقتك صح
حبايبنا| «محمد».. رحلة نجاح بدايتها حادث مؤلم







