«بالألوان» دعوة لتطوير قطاع الفنون التشكيلية

«مصارع الثيران» للفنان أدهم وانلى- زيت على خشب ١٩٥٥
«مصارع الثيران» للفنان أدهم وانلى- زيت على خشب ١٩٥٥


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

يُعد قطاع الفنون التشكيلية، إحدى الركائز الأساسية للحركة الثقافية فى مصر، لما يقوم به من دور محورى وفَعَّال فى رعاية الفنون البصرية بمختلف أشكالها، فضلًا عن دعم الفنانين والحفاظ على التراث الفنى الوطنى، ويعمل القطاع على إدارة وتشغيل عدد كبير من المتاحف الفنية وقاعات العرض، إلى جانب تنظيم المعارض المحلية والدولية، والبيناليات والتريناليات، التى تسهم فى تعزيز مكانة مصر على خريطة الفن العالمى.
ولا يقتصر دور القطاع على عرض الأعمال الفنية فقط، بل يمتد ليشمل اكتشاف المواهب من خلال تنظيم مسابقات ومتابعات، وتشجيع الإبداع، وتوفير بيئة حاضنة للفنانين من خلال برامج الدعم والتدريب وورش العمل، كما يلعب دورًا مهمًا فى التبادل الثقافى مع مختلف دول العالم.
وفى ظل التحديات المتسارعة التى يشهدها المشهد الثقافى، تزداد أهمية قطاع الفنون التشكيلية فى تبنى رؤى حديثة تواكب التطور، وتعمل على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الفنية الأصيلة والانفتاح على الاتجاهات المعاصرة، بما يضمن استمرار تأثيره الفاعل فى تشكيل الوعى الجمالى لدى المجتمع.
التحدى الحقيقى
ويتساءل كثيرون: ما المطلوب من رئيس قطاع الفنون التشكيلية الجديد د. محمود حامد خلال هذه المرحلة؟ وما الخطة والطموحات التى ينتظرها جموع التشكيليين؟
خلال الفترة الأخيرة، اعتدنا من القائمين على الحركة التشكيلية، غياب طرح خطط جديدة أو رؤى طموحة من شأنها إحداث نقلة نوعية فى المشهد الفنى.
صحيح أن بعض الفعاليات عادت إلى الساحة بعد توقف، مثل ترينالى الجرافيك وبينالى الإسكندرية، لكن هل تكفى العودة فى حد ذاتها؟ أم أن التحدى الحقيقى يكمن فى قدرة هذه الفعاليات على تحقيق تنظيم احترافى ورسالة واضحة تترك أثرًا حقيقيًا؟ أم أنها ستنضم إلى قائمة فعاليات تبدأ وتنتهى دون بصمة تُذكر، سوى سيل من الانتقادات؟
ما ينتظره الفنانون اليوم أفكار ورؤى جديدة، وفعاليات أكثر إبداعًا وتأثيرًا، ومنظومة عمل تقوم على الشفافية والكفاءة، بعيدًا عن المجاملات التى تتحكم فى تشكيل لجان التحكيم، أو فى اقتناء أعمال لا تستحق، بما يحوِّل متاحفنا إلى مخازن لزخم بصرى يفتقر إلى القيمة الإبداعية.
قاعة أفق
تعد قاعة «أفق» الكائنة بمتحف محمود خليل وحرمه، من أهم قاعات العرض التابعة لقطاع الفنون، وتحظى بمكانة خاصة لدى الفنانين.. ومن المعروف أن هناك لجنة مسئولة عن اختيار الأسماء التى يُسمح لها بالعرض داخل هذه القاعة، إلا أن الواقع يشير إلى وجود مجاملات وتجاوزات فى بعض الأحيان.
غير أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة والسخرية، يتمثل فى الكتالوجات الفخمة التى تُطبع خصيصًا للعارضين، فقد تَبَيَّن أن تكلفة كتالوج أحد المعارض بلغت نحو 100 ألف جنيه، بينما وصلت فى حالات أخرى إلى 50 ألف جنيه.
وبحساب بسيط، إذا كانت القاعة تستضيف نحو 12 معرضًا سنويًا، بمتوسط تكلفة لا يقل عن 40 أو 50 ألف جنيه للكتالوج الواحد، فإن إجمالى ما يتم إنفاقه سنويًا يصل إلى 600 ألف جنيه تقريبًا.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل من المنطقى فى ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، إنفاق كل هذه المبالغ على كتالوجات لا يستفيد منها فعليًا سوى الفنان نفسه؟! خاصة فى ظل وجود بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة، مثل الاكتفاء بمطويات تعريفية، أو استخدام رمز QR عند مدخل المعرض يتيح للزائر الوصول إلى جميع البيانات بسهولة، أو يتحمل الفنان التكلفة إذا أراد هذه النوعية من الكتالوجات. الأجدر بهذه الميزانيات أن تُعاد توجيهها إلى ما يحقق قيمة حقيقية للمشهد التشكيلى، كتنظيم مسابقة سنوية للشباب بجوائز مجزية، تسهم فى اكتشاف مواهب جديدة وتشجيع المبدعين، فهذا فى جوهره يُعد الدور الأهم المُنتظَر من قطاع الفنون التشكيلية.
آليات التخطيط
إذا تأملنا أنشطة القطاع، سنجد أن أبرز فعاليتين خلال العام هما «المعرض العام» و«صالون الشباب»، ورغم أهميتهما، يتكرر كل عام نفس المشهد من الانتقادات الحادة، دون أن يقابله سعى حقيقى لإيجاد حلول جذرية تُعالج أوجه القصور.
الأكثر إثارة للتساؤل، غياب فعاليات جديدة ذات تأثير حقيقى ومستدام، وإن ظهرت بعض المبادرات مثل معرض «سكتش» أو «البدايات»، فإنها سرعان ما تختفى دون استمرارية واضحة، فلا نعرف مواعيدها، ولا قواعدها المنظمة، ولا إن كانت ستتكرر من الأساس! وهو ما يطرح علامات استفهام حول آليات التخطيط وإدارة هذه الفعاليات ودراستها قبل طرحها.
ما نأمله ببساطة وجود خريطة سنوية واضحة للفعاليات، تُعلن مواعيدها مسبقًا بوقت كافٍ، وتُحدد قواعد المشاركة فيها بشفافية، بما يمنح الفنانين فرصة حقيقية للاستعداد والمنافسة العادلة، ويسهم فى استقرار المشهد التشكيلى بدلا من عشوائيته.. وللحوار بقية.