الطب البيطري: طبيعة الحيوان البري لا تتغير والحوادث الكارثية تعود إلى "أخطاء بشرية"
الفنون الشعبية: الأزمة ليست في عروض الحيوانات المفترسة بل في الممارسات الفردية غير المسؤولة
ناشطة حقوقية: القانون حدد الاشتراطات .. وعدم توافر مراكز إيواء مجهزة سبب رئيسي في الأزمة
عاد ملف السلامة والرقابة داخل السيرك والأماكن الترفيهية، إلى الواجهة من جديد، في ظل تكرار الحوادث المرتبطة بالحيوانات المفترسة، وسط جدل واسع بين خبراء الطب البيطري وحقوق الحيوان ومسؤولي قطاع الفنون الشعبية، حول أسباب تلك الوقائع وحدود المسؤولية بين الخطأ البشري وطبيعة الحيوان البري، إلى جانب استمرار الجدل حول جدوى الإبقاء على فقرات الأسود والنمور ضمن العروض الترفيهية.
ويكشف هذا الملف عن التشابكات التشريعية والتنظيمية، من تراخيص اقتناء الحيوانات الخطرة، إلى آليات الرقابة داخل السيرك القومي والخاص، مرورًا بإشكاليات نقل الحيوانات ومراكز الإيواء، وصولًا إلى الجدل المجتمعي المتصاعد بشأن مستقبل هذه العروض في ظل المخاطر المتكررة.

- ضحايا عروض السيرك
أبريل قبل الماضي، شهد "سيرك طنطا" واقعة مدوية حيث هاجم نمر أبيض عاملًا يدعى محمد البسطويسي، أثناء عرض سيرك الحلو بمدينة طنطا في عيد الفطر، مما أسفر إلى إصابات بالغة، أدت إلى بتر ذراع العامل من فوق الكوع، بعد هجوم النمر أثناء محاولة توجيهه داخل القفص، مما اضطر الجهات المعنية إغلاق السيرك نهائياً، وتم إرسال النمر لإعادة التأهيل في القاهرة.
وقبل نحو 10 سنوات، تعرض المدرب "إسلام شاهين" 35 عاماً، خلال أحد العروض بالإسكندرية، لهجوم شديد من الأسد، أمام الجمهور وأصيب بجروح خطيرة لم يتمكن الأطباء من التعامل معها، وتوفي متأثراً بجروحه.
الحوادث المتكررة، التي شهدتها العروض الترفيهية مؤخراً، دفعت "بوابة أخبار اليوم" لفتح ملف الرقابة واللوائح المنظمة لاقتناء الحيوانات البرية.
- تداخل الاختصاصات والمسؤولية الرقابية
ومن جانبه، كشف الدكتور حامد موسى، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، عن كواليس العمل الرقابي ومعايير السلامة المتبعة، موضحًا أن هناك فصلاً واضحاً في المسؤوليات الإدارية والتقنية؛ حيث تتبع صالات العرض وزارة الثقافة من الناحية التنظيمية والإدارية، بينما تنحصر مسؤولية الهيئة العامة للخدمات البيطرية في الجانب الفني والحيوي، والذي يشمل تراخيص الحيوانات للتأكد من قانونية اقتناء كل حيوان على حدة وأماكن المبيت، حيث أن يتم الرقابة الصحية والبيئية على المواقع التي تقيم فيها الحيوانات خارج أوقات العرض، مؤكدًا أنه يتم اتخاذ تدابير صارمة فور رصد أي حيوان أو مكان غير مرخص، أو مخالف للاشتراطات.

- سلوك الحيوان أم خطأ بشري؟
ورداً على التساؤلات، حول احتمالية تغير سلوك الحيوانات المفترسة رغم تدريبها، أكد رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن طبيعة الحيوان البري لا تتغير، وأن الحوادث الكارثية تعود في المقام الأول إلى "أخطاء بشرية" في إدارة العرض، مشيرًا إلى عدة نقاط جوهرية تتمثل في وجود خلل تأميني وضرورة وجود حواجز أمنية كافية وتأمين مكثف خاصة أثناء وجود الجمهور.
وتابع: هناك مؤثرات خارجية، فقد يُثار الحيوان نتيجة الأصوات العالية أو الحركات المفاجئة من الجمهور، مما قد يؤدي لرد فعل عنيف وغير متوقع.لذا يتم منع الاحتكاك المباشر، مشددًا على أن التعامل المباشر مع الجمهور، كالتصوير أو الاقتراب من الحيوان، هو "إجراء خاطئ تماماً" ويجب منعه، لأن الحيوان يجب أن يظل خلف القفص الحديدي طوال فترة تواجده في ساحة العرض.
- آليات الرصد والبلاغات
وفيما يخص الرقابة على الحيوانات التي تُقتنى خارج إطار السيرك الرسمي، أوضح أن الهيئة تتحرك بناءً على مسارين:
الأول: التنسيق الأمني في حال العثور على حيوانات ضالة أو مجهولة الصاحب في الأماكن العامة.
الثاني: يتمثل في شكاوى المواطنين ويتم التحرك الفوري مع قوات الشرطة عند تلقي بلاغات من سكان العقارات حول وجود حيوانات برية غير مرخصة تشكل خطراً على الجيران.
اختتم "موسى" تصريحاته، بتوجيه نداء عاجل للمواطنين ورواد العروض الترفيهية، بضرورة "الالتزام بالأماكن المخصصة للجلوس" وعدم محاولة الاقتراب من الأقفاص تحت أي ظرف، مؤكدة أن الغرض من السيرك هو "المشاهدة" فقط وليس التفاعل المباشر الذي قد يحول لحظات الترفيه إلى مأساة حقيقية.

- آليات الرقابة على عروض السيرك
توجهنا بالحديث مع تامر عبد المنعم، مسؤول قطاع الفنون الشعبية بوزارة الثقافة، وتساءلنا عن الأسباب التي تمنع اتخاذ قرار بوقف هذه الفقرات نهائياً، مع تكرار حوادث الحيوانات المفترسة في السيرك.
وأكد "عبد المنعم" أن الحادثة التي أُثيرت مؤخراً هي واقعة عارضة وفردية"، ولا تمت بصلة للفقرات الاستعراضية "الشو" التي تقام داخل السيرك، موضحًا أن ملابسات الواقعة تلخصت في قيام أحد الأشخاص بفتح قفص واستخراج "شبل" دون أن يكون مخولاً بذلك أو مدرباً للتعامل معه، وذلك بهدف تصوير الجمهور مع الحيوان.
وأثناء ذلك، سقط الشبل من فوق الطاولة "التربيزة" مما أدى إلى إصابة الطفلة مشددًا على أن العروض الرسمية في السيرك القومي المصري مؤمنة، وفق أعلى المعايير العالمية، ولا تشوبها هذه التجاوزات.
وبالسؤال عن إمكانية إصدار قرار بمنع فقرات الحيوانات المفترسة، أسوة بالتوجهات العالمية المعاصرة، يري مسؤول قطاع الفنون الشعبية بوزارة الثقافة، أنه لا يمكن إطلاق مسمى "سيرك" على أي عرض يخلو من وجود الحيوانات المفترسة؛ حيث اعتبرها ركناً أساسياً في هذا النوع من الفنون، مشيراً إلى أن غيابها يحول النشاط إلى مسمى فني آخر غير السيرك.
- نطاق المسؤولية الرقابية
حدّد "عبد المنعم" بدقة حدود صلاحياته الرقابية والإدارية، موضحاً أن مسؤوليته الكاملة عن كافة قطاعات الفنون الشعبية التابعة لوزارة الثقافة، بما فيها السيرك القومي، ونفى وجود أي صلة إدارية أو رقابية للوزارة بقطاعات السيرك الخاص، مؤكداً أنها لا تقع ضمن دائرة اختصاصه.

- الإجراءات العقابية والمسار القانوني
وكشف تامر عبد المنعم، عن الإجراءات التي اتُخذت حيال واقعة إصابة الطفلة، مؤكدًا أنه تم فسخ التعاقد فوراً مع "المصور" المتسبب في الواقعة، كإجراء رادع لضمان عدم تكرار مثل هذه التصرفات مستقبلاً، مؤكداً أن النيابة العامة تولت التحقيق في الواقعة، وهي الجهة المنوط بها توجيه الاتهامات القانونية وتحديد العقوبات بناءً على التحقيقات الجارية، موضحًا أنها الجهة الأقدر والمنوط بها توصيف التهمة وتحديد المواد القانونية التي سيحاكم بموجبها المتورطين.
ويرى مسؤول الفنون الشعبية، أن الأزمة ليست في وجود الحيوانات المفترسة، كجزء من العروض، بل في الممارسات الفردية غير المسؤولة خارج إطار العرض الرسمي، مع التمسك ببقاء فقرات الحيوانات كجزء أصيل من تراث السيرك، وتشديد الرقابة الإدارية والقانونية على المخالفين.
- الثغرات القانونية في ملف الحيوانات الخطرة
انتقلنا إلى مستوى أكثر عمقاً وتفصيلاً، بالحديث مع دينا ذو الفقار، ناشطة في مجال حقوق الحيوان والحياة البرية في مصر، حيث تم استعراض الثغرات القانونية والواقعية في ملف "الحيوانات الخطرة".
وللوقوف علي أسباب الحوادث المتكررة للحيوانات المفترسة، كشفت عن تفاصيل قانونية وتنظيمية بالغة الأهمية، تتعلق بصدور اللائحة التنفيذية للقانون رقم 29 لسنة 2023، والمعني بتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2025.
أوضحت "ذو الفقار" أن اللائحة التنفيذية للقانون الجديد، جاءت في أعقاب حوادث شهيرة هزت الرأي العام "أشهرها كان حادثة وفاة بسبب عضة كلب "بيتبول"، مشيرة إلى عدة ملاحظات، رغم أن المسودة الأولى تضمنت أنواعاً كثيرة، إلا أن اللائحة النهائية قلصت أنواع الكلاب المحظورة إلى أربعة أنواع فقط، بينما أبقت على تصنيفات الحيوانات البرية كما هي.
كما وضعت اللائحة رسوماً مالية لترخيص اقتناء حيوانات برية "مثل الأسود، النمور، وحتى الغوريلا والدببة"، وهو ما اعتبره البعض إشكالية، حيث يبدو الأمر وكأنه "تقنين" لوجود هذه الحيوانات الخطرة في بيئات غير مؤهلة بمجرد دفع الرسوم.

- أزمة المصادرة ومراكز الإيواء
تطرقت الناشطة الحقوقية، إلى إشكالية لوجستية كبرى تواجه الدولة المصرية في تنفيذ القانون؛ ففي حال رصد حيوان غير مرخص "مثل قرد أو شبل" في محل تجاري أو لدى مواطن، تبرز أزمة "أين يذهب الحيوان المُصادر؟. مشيرة إلى أن حديقة الحيوان، التي كانت تمثل المركز الرئيسي لاستقبال الحيوانات المصادرة، مغلقة منذ نحو ثلاث سنوات للتطوير تحت إشراف مستثمر.
وأكدت أن الحدائق في المحافظات "مثل كفر الشيخ، بني سويف، الفيوم، والإسكندرية" تعاني من محدودية المساحة، وضعف الميزانيات، ونقص العمالة المدربة، مما يجعلها غير مؤهلة لاستيعاب أعداد جديدة من الحيوانات المفترسة المصادرة.
اقرأ ايضاً :حروب بلا جنود.. كيف تغير التكنولوجيا ميزان القوة العالمي؟
- حقيقة تبعية الحيوانات في "السيرك"
كشفت الناشطة في حقوق الحيوان، عن تفصيلة تنظيمية هامة تغيب عن الكثيرين، وهي أن وزارة الثقافة لا تمتلك الحيوانات البرية الموجودة في السيرك القومي بالعجوزة أو غيره، بل هي جهة "مؤجرة للمكان" فقط، حيث أن الأسود والحيوانات المفترسة في عروض السيرك "سواء القومي أو الخاص" تتبع أفراداً أو مدربين بصفاتهم الشخصية، ولا تتبع المنشأة، وبناءً على ذلك، في حال وقوع حادثة، تقع المسؤولية على "حائز الحيوان" وليس على وزارة الثقافة أو صاحب الأرض التي يقام عليها العرض.
- الاشتراطات الفنية ووسائل النقل
لضمان السلامة العامة، يفرض القانون واللوائح المنظمة اشتراطات صارمة تشمل:
1. تعدد الجهات المانحة للتراخيص: يجب أن يحصل حائز الحيوان على تصاريح من وزارة البيئة، إدارة الحياة البرية بوزارة الزراعة، الهيئة العامة للخدمات البيطرية.
2. اشتراطات الحماية المدنية: ضرورة وجود مخارج طوارئ (Safety Exits) واحتياطات ضد الحريق في خيام السيرك.
3. النقل الآمن: يُحظر نقل الأسود أو النمور في الشوارع إلا بوسائل نقل مجهزة ومعتمدة وبناءً على تصريح مسبق، لضمان عدم تسرب الخطر للمجتمع المحيط.
واختتمت دينا ذو الفقار حديثها بأن القانون رقم 29 لسنة 2023، رغم تنظيمه للرسوم والاشتراطات، إلا أنه وضع الدولة أمام تحديات كبيرة تتعلق بكيفية التعامل مع الحيوانات التي يتم ضبطها في ظل غياب مراكز الإيواء المؤهلة، واصفة إمكانية ترخيص حيوانات شديدة الخطورة لمجرد استيفاء الرسوم بأنه قد يؤدي إلى "نتائج غير محسوبة".

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







