ياسمينا خضرا
ترجمة: د. ياسين سليمانى
هكذا هو الحال عندما نُفخ فى قمم جبل حلحول، فى غور الأردن، قال صانع الساعات العظيم، سيد الزمن واللانهاية: «كُن!»، فكان كل شيء بمشيئته. جعل من سراب سيناء واحاتٍ يُشرب ويُأكل فيها، ومن صخور أريحا معابد يُصلّى فيها للأحياء وللراحلين. وإذ تأثروا بعظيم رحمته، رفع البشر عامة أبصارهم إلى السماء وقالوا: «ليكن كذلك يا رب، أنت الذى تعلم ما يجهله الدهر، وتُحدد بآلاف النعم درب الآلام ووادى الظلمات.» فقال الدهر: «لا درب للآلام إلا للضالين أيها الإنسان، ولا وادى للظلمات إلا فى النوايا الخفية، فإن الله نور. من أراد السير على خطاه وجد الطريق المؤدية إلى هذه الأرض، سواء أكان غنيا أم فقيرا، ملكا أم رعية، باحثا عن الماء أم حفارا للآبار، هذه الأرض مرعى الساعين إلى السلام بلا أى تمييز. فى كل مغارة يعمل نبى، وفى ظل كل شجرة يزهو شاعر، لكى يكون جمال كل شيء موجودا، فلن يكون العالم أفضل إلا عندما يصبح البشر أفضل.» وبعد أن نبتت أشجار النخيل على الرمل وغرّدت الطيور بحمد نعمته، وضع الله قبلة على كل حجر وبارك كل الينابيع والبساتين. ثم طلب الصمتَ ليسمعه الكونُ بأسره وقال: «يا أرضَ الملوك الصغار، فلسطين سيكون اسمك حتى نهاية الزمن» هكذا وُلِدت فلسطين التى أحبها الرب بقوةٍ جعلت بحرا يموت من الغيرة.
كاد الغضب الساخط الذى أغلق به ألكسندر ياكوفليفوى المخطوطة يخلع معصمه. لدقيقة كاملة وهو محتقن الوجه، انتظر حتى يزول تأثير قراءته، ثم بتأنٍ -كما علّمته أمه أن يفعل عندما تستولى نوبات القلق على الطفل الانطوائى الذى كانَهُ- شهق بأنفه ملء منخريه، وملأ رئتيه بالهواء حتى امتلأتا، وبدأ بالزفير من فمه، ببطء، بعمق، حتى أفرغ بطنه تماما. لم يحدث مرة واحدة، منذ أن ترأس دار النشر «لا سين»، أن هزّه نص بهذه العنف.
بينما مد يده نحو الهاتف، لاحظ أن ذراعه ترتجف. مجددا، شهق وزفر وشهق ثانية. عندما شعر أن الكتلة فى حلقه قد خفت قليلا طلب رقم أقرب مساعديه وكاد يصرخ فى السماعة:
ــ ماذا أرسلتَ لى هناك، يا ميشيل؟
متى؟
هذا الصباح.
لم أرسل لك شيئا اليوم.
هناك مخطوطة لشخص اسمه «و. عمر» على مكتبي.
ألها عنوان؟
«أطفال عمى صابر».
هذا لا يشى بشىء. هل سألت جيزيل؟
هى فى إجازة مرضية منذ البارحة.
أغلق ألكسندر الخط فجأة فى وجه نائبه ووجنتاه ترتجفان من التشنجات اللاإرادية، استند إلى ظهر مقعده وضغط جرس سكرتيرته.
هل أنت من وضع هذا على مكتبى؟
انحنت السكرتيرة -وهى امرأة فى الخمسين، نحيفة وذات ملامح حازمة- على المخطوطة، ثم أشارت برأسها نافية.
إنه لم يصل إليّ بالصدفة! ميشيل يقول إنه ليس هو، وجيزيل غائبة. إذاً، من الذى وضع هذه «القذارة» على طاولتي؟
ربما عامل التوصيل بينما غبت لدقيقتين.
المستلم هو مكتب الاستقبال، على حد علمى...
لم تعرف السكرتيرة ماذا تجيب. كانت هذه المرة الأولى، فى عشر سنوات من التعاون، التى ترى فيها مديرها فى مثل هذه الحالة، كان المرء ليظنه على وشك الانقضاض على شخص ما، أى شخص، لأكله نيئا. دفع ألكسندر المخطوطة بيده مشمئزا.
أعيدى تغليف هذه القذارة وأعيديها إلى المرسل.
أسرعت السكرتيرة لالتقاط المخطوطة وهمّت بالعودة إلى حجرتها الصغيرة عندما أضاف ألكسندر بشكل قاطع:
بدون خطاب مرفق. ليست لدينا اعتذارات ولا صيغ مجاملة لنقدمها للأغبياء.
حسنا، سيدى.
وضعت السكرتيرة يدها على مقبض الباب لتغلقه خلفها.
اتركيه مفتوحا، أمرها ألكسندر. ينقصنا الهواء فى هذه الفوضى.
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
بعد فوز روايته بجائزة الجونكور







