رسائل لوركا وعائلته

الرجل الكامن وراء الأسطورة

رسائل لوركا وعائلته
رسائل لوركا وعائلته


ترجمة: مها عبد الرءوف

«أمى، أرغب كثيرا فى رؤيتك وأتمنى أن تأتى قريبا.. ابنك الذى يحبك».. هكذا كتب الطفل فيدريكو جارثيا لوركا قبل أن يكتب أيا من أعماله الخالدة ويصبح ذلك الأديب الأسطورى الذى ألهم العالم بشعره ومسرحياته. هذه الرسالة العفوية المقتضبة هى واحدة من مراسلات عائلة لوركا التى يضمها كتاب «لا تنس أن تكتب: عائلة جارثيا لوركا فى رسائلها»، الذى تولى تحريره الصحفى بيكتور فرنانديث، الذى يقول: «هذه الرسائل تنظر من ثقب مفتاح العائلة، حيث يظهر فيديريكو الأكثر إنسانية، الرجل الكامن وراء الأسطورة».
إن هذا النص ليس بأى حال من الأحوال مجموعة رسائل تقليدية، ولا يسعى لأن يكون كذلك. إنه، كما يصفه محرره «عقد ملىء باللآلئ» خيطه تاريخ عائلة. هذه الرسائل -وكثير منها يُنشر لأول مرة- تعيد بناء خريطة عاطفية تمكن القارئ من تتبع تشكل الكاتب الشهير، وآليات العمل الداخلية لأسرة برجوازية من سهل غرناطة، تتقاطع فيها التوترات، والرعاية، والتوقعات، والرقابة. 
ويقول فرنانديث إن الأمر يبدو كما لو أنه كان يتنصّت على هاتف عائلة جارثيا لوركا، إذ يضم الكتاب مراسلات متبادلة بين لوركا ووالديه جارثيا رودريجيث وبيثينتا لوركا روميرو واخوته، ويكشف عن وجه لم يكن معروفا للشاعر الأيقونى عندما كان شابا يعانى من مشاكل فى سكن الطلبة لأن المدفأة لا تعمل، وكان يطلب المال من والديه، ويواجه صعوبات فى النشر وفى عرض مسرحياته.
 وعلى الرغم من أن الكتاب لا يقدم أرشيفا كاملا لرسائل الأسرة، إذ فقد بعضها ودُمر البعض الآخر، إلا أنه يضم جميع الرسائل المعروفة حتى اليوم بين الأم والابن إلى جانب مجموعة مهمة من الرسائل المأخوذة من الأرشيف العائلى أو المجموعات الخاصة. 
واللافت فى الكتاب أنه على الرغم من الطابع المجزأ للرسائل إلا أن هذا لا يخل بالبنية الأساسية، بل على العكس تماما، إذ يتيح مراقبة ورصد حياة هذه العائلة فى حالة حركة. وتبدأ المراسلات فى عام 1910 تقريبا عندما كان لوركا طفلا يخط كلماته الأولى وتنتهى عام 1947 فى خضم مرحلة ما بعد الحرب وبعد اغتيال الشاعر والأديب الشهير. أربعة عقود تقريبا تتناول الطفولة والتشكل والنجاح والحرب والمنفى والموت. 
وإذا كان هناك خط أساسى لهذه المجموعة من الرسائل ، فهو العلاقة بين فيديركو ووالدته بيثينتا ، التى ربما تكون المرأة المحورية فى حياة الأديب العبقرى ، وهو ما تؤكده الرسائل، ليس فقط من ناحية تكرارها، بل من النبرة المستخدمة فيها. 
وتشير الرسائل إلى أن فيديريكو لم يكن يكتب بدافع الحاجة إلى الحكى فحسب، ولكن أيضًا بدافع تبرير نفسه. «أنا أذاكر كثيرا ...». إنه يكتب منذ طفولته، كما لو أن كل رسالة هى تقرير.ويواصل لاحقا هذا المنطق: «لقد بدأت مهمتي... أنا سعيد جدا بوجودى هنا». بل يمضى حتى إلى التفاصيل المنزلية: «لقد أرسلت القمصان للغسيل... أنا بخير وسعيد». أنها ليست مجرد أخبار، إنها أدلة. إن الابن لا ينصب نفسه مراسلا يغطى احداث حياته فقط، بل يبدو كأنما يقدم كشف حساب لوالديه. هو يحكى عن رحلات ودروس وانطباعات وأماكن ، وهو لا يفعل ذلك لمجرد الإخبار بل أيضا للطمأنة. وفى مقابل هذه التفاصيل تأتى ردود السيدة بيثينتا، منظمة، تفيض بالمشاعر وأيضا عملية .. فالأم تسأل وتنصح وتقترح تقنيات أدبية ، وفوق كل ذلك تتحكم  وتفرض سيطرتها .
يقول فيدريكو فى إحدى الرسائل :»فى مثل هذه الأجواء يصعب التراخى، لأن الجميع يعملون، فلا مفرّ من العمل... ومن يسلك طرقا سيئة... هو شخص سيئ». إنها ليست مجرد فضفضة بل هو تبرير أخلاقى.  
وعلى هذا فإن الرسائل المتبادلة تكشف عن ديناميكية محددة للأم: منح الحرية الابداعية الكاملة للابن ولكن تحت إشرافها. إلا أن هذا الإشراف يكون أحيانا بشكل غير مباشر عبر أشخاص غرباء. وهنا تبرز شخصيات محورية أخرى مثل مارتين دومينديث بيرويتا، الأستاذ والرفيق فى الرحلات الأكاديمية، والذى كان بمثابة الوسيط بين فيديريكو وعائلته.  
وكان من الواضح أنه لم يكن هناك طلب صريح بالرقابة، لكن هناك تسلسلا من الانضباط يُتخذ فيه الأستاذ كنقطة مرجعية. ويُظهر فيديريكو نفسه ذلك حين يوضح لوالديه كيفية توجيه الرسائل إليه: «اكتبوا اسم بيرويتا، ليتم التسليم...». أى أن التواصل، وبشكل ما، المتابعة، يمر عبره. ويُضاف إلى ذلك إصرار الأم على توجيه مسيرته: «ادرس كل هذا جيدا لتتصرف بموهبة... من أجل سمعتك ومصالحك». فالأم لا تكتفى بالرعاية؛ بل تُدير وتوجه. 
ومن بين الخطابات التى يضمها الكتاب، تأتى تلك الواردة من بيت الطلبة لتكون كاشفة للغاية. فهناك وجد فيديريكو مجالا رحبا من الحرية الثقافية ، ولكنه شعر ان عليه أن يدافع عن ذلك امام عائلته. «هل كنت سأرسل لكم البرامج لو رأيت فيه شيئًا سيئًا؟». السؤال ليس ساذجًا، بل هو استراتيجية، ففيديريكو يكتب ليؤكد استقلاليته دون ان يقطع الرابط مع العائلة. إنه يشرح، يُفصل، ويُضفى طابعا دراميا، يُحول الرقابة إلى سرد.. إنه  لا يريد أن يخيب الظنون، لكنه أيضا لا يريد أن يخضع. ومن هذا التوازن يتشكل صوته وإبداعه. 
غير أنه من أكثر جوانب هذا الكتاب إثارة هو أنه يتيح تتبع تطور الكلمة، واللغة، والاستعارات اللوركية عبر تلك الصفحات. فمن الملاحظات الأولى فى الطفولة -المليئة بصيغ المودّة- إلى أوصاف أكثر نضجا وتعقيدا، يتيح هذا الأرشيف من الرسائل رؤية ولادة أسلوبه. 
حتى فى النصوص اليومية تظهر الصورة بالفعل: «كانت النسور تحلّق تحتنا...». أو هذا المزج بين الحميمى واليومي: «اكتبوا لي... إن كانت إيزابيليتا تأكل كثيرا...». إن كل شيء يتحول إلى مادة أدبية. كل شيء يمر عبر النظرة. كأن هذا التبادل المستمر للأوراق كان مختبرا حقيقيا لتجريب أسلوبه المستقبلى، البذرة الأولى لأدبه. 
ومع تقدم الزمن، تظهر الحرب لتلقى بظلالها على الرسائل المتبادلة، كما أن الرقابة تفرض حالة من الصمت، إلا أنه صمت يشى بالكثير من الحديث. وبعد اغتياله فى عام 1936 ، لم تعد الخطابات المتبادلة بين باقى أفراد العائلة تحمل أحاديث أو حوارات، ولكن ذكريات فقط . كان أفراد العائلة يكتبون منذ ذلك التاريخ انطلاقا من الألم والفقد والمنفى مع استحالة استعادة جسد الشاعر الكبير. 
وتتواصل المراسلات العائلية خصوصا فى المنفى فى الولايات المتحدة، وعلى وجه التحديد من نيويورك التى قال عنها الابن « لا أحد ينام تحت السماء . لا أحد/ لا أحد..هناك فى نيويورك لا ينام أحد».
إن اهم ما يحقق كتاب « لا تنس أن تكتب» هو انه يفكك الهالة المحيطة بلوركا باعتباره أحد أعظم الأدباء الاسبان، ويعيده إلى بعده الانسانى، ذلك أن لوركا لم يكن مجرد شاعر أو كاتب مسرحى شهير ، بل كان ابنا يكتب ليكون محبوبا ويحظى بالقبول ويسعى دائما للحفاظ على الخيط الذى يربطه بعائلته، خيط مصنوع من المحبة والتوقعات والرقابة.