قبل أن تطأ أقدام البشر الأرض، كانت أسماك «الحفش» تسبح فى البحار والمحيطات، حاملةً بداخلها كنزًا لم يكن العالم يدرك قيمته، الكافيار، أو «الذهب الأسود» كما يُطلق عليه فى صالونات السياسة والاقتصاد، ليس مجرد «بيض سمك» مملح، بل هو رمز للرفاهية المطلقة، ارتبط تاريخيًا بموائد القياصرة والملوك، واعتبره الفرس قديمًا «طعام القوة والشباب».. هذا المنتج الفريد، الذى يُباع بالجرام فى أرقى فنادق العالم، يستمد قيمته من ندرة مصدره وصعوبة استخراجه؛ فالحصول على ملعقة كافيار واحدة قد يتطلب انتظارًا يمتد لسنوات من الرعاية الفائقة.
ومع التهديد بخطر الانقراض الذى طال فصيلة «الحفش» البري، تحولت صناعته إلى ساحة لصراع التكنولوجيا والابتكار، حيث تتسابق الدول لفك شفرة إنتاجه فى مزارع مغلقة تضاهى المختبرات العلمية فى دقتها.. اليوم، لم يعد الكافيار مجرد طبق فاخر، بل أصبح صناعة استراتيجية، ومعركة جودة تقودها عقول تخطط لسنوات طويلة من أجل لحظة «الحصاد» الحاسمة.
بينما يرى العالم فى «الكافيار» مجرد طبق فاخر يزين مائدات الملوك والأثرياء، يراه د.ثروت عطا الله كمعادلة كيميائية معقدة وصراعًا بيولوجيًا يحتاج لصبر الأنبياء ودقة الجراحين.
من جامعة قناة السويس إلى قلب مراكز الأبحاث الدولية، وصولًا لإدارة واحدة من أهم مزارع إنتاج الكافيار فى ألمانيا، يقف عطا الله اليوم كواحد من أبرز الخبراء الذين طوعوا التكنولوجيا لإنتاج «الذهب الأسود» فى بيئات مغلقة، متحديًَا ندرة الطبيعة ومنافسة التنين الصيني، بخبرة 23 عامًا كاستشارى ومدير للبحث والتطوير فى مشاريع دولية كبرى.
فى السطور القادمة، تقتحم «الأخبار» كواليس الصناعة التى تُباع بالجرام، وتسبح مع د.ثروت وأسماك الحفش فى هذا الحوار المتخم بالمعلومات والأسرار، والطموحات على أمل أن نرى «كافيار مصري» يغزو الأسواق العالمية قريبا.
تخرجتُ عام 2003، وكانت لديَّ رغبة كبيرة فى تطوير نفسى علميًا وعمليًا، لم يحالفنى الحظ فى التعيين بالجامعة فاتجهتُ إلى المركز الدولى للأسماك، حيث بدأت رحلتى الحقيقية، وعملتُ مع نخبة متميزة من العلماء، واكتسبت خبرات قيّمة فى مجال الاستزراع السمكي، هناك حصلتُ على درجة الماجستير، متخصّصًا فى الانتخاب الوراثي، والاستجابة المناعية، ومقاومة الأمراض فى أسماك البلطى تحت إشراف أستاذى -رحمة الله عليه- الأستاذ الدكتور العالم محمود على رزق مدير برامج الوراثة بالمركز.. بعد ذلك، عدتُ إلى مدينتى الغردقة، لألتحق بالعمل فى المعهد القومى لعلوم البحار والمصايد، مواصلًا مسيرتى بشغف وخبرة أوسع، وساعيًا للإسهام فى تطوير هذا القطاع الحيوي.
نقطة التحول كانت عام 2012، حين حصلت على منحة الدكتوراة بجامعة «جوتنجن» العريقة، هناك، لم أكتفِ بالبحث الأكاديمي، بل ربطت العلم بالتطبيق الفعلي، وبعد سنوات كعضو هيئة تدريس، جاءت الخطوة المحورية بتولى إدارة العمليات فى «Attilus» لإنتاج الكافيار، وهى واحدة من أكثر الصناعات تعقيدًا وحساسية فى العالم.. وفى هذا السياق، لا يمكننى إغفال الدور الكبير الذى تلعبه زوجتى فى مسيرتى المهنية، فهى شريك حقيقى فى هذا النجاح، حيث إنها من نفس التخصص، وقد درسنا معًا فى جامعتى قناة السويس فى مصر وجوتنجن فى ألمانيا.
أسرار ارتفاع الأسعار
وحول أسباب ارتفاع السعر.. يقول «بالنسبة للسعر فهو يعبر عن مزيج من الزمن والمخاطرة والتكنولوجيا والندرة، متوسط سعر الكافيار هو 4000 يورو للكيلو جرام، وهو لا يعكس فقط الندرة ولا يعبر عن الرفاهية فقط، بل هو انعكاس حقيقى لمدى تعقيد العملية الإنتاجية ومدة نمو أسماك الحفش التى تحتاج لسنوات طويلة للنمو، والحاجة للسيطرة الدقيقة على كل ظرف من ظروف النمو طوال سنوات التربية.
وحول أسباب تسمية البعض لتربية سمك «الحفش» بأنها «استثمار النفس الطويل» ومخاطرة، يوضح د.ثروت عطا الله «أننا نتحدث عن دورة إنتاج تمتد لسنوات حتى تصل الإناث للنضج الجنسى وتبدأ فى إنتاج البيض، هى فترة استثمار طويلة جدًا ومكلفة، خاصة مع الارتفاع العالمى فى أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج، وهو ما لا يجرؤ عليه الكثيرون فى الأنشطة الإنتاجية الأخرى.. نحن نتعامل مع نظام بيولوجى فائق الحساسية وأنظمة مراقبة تعمل 24 ساعة، أى خطأ بسيط فى جودة المياه، درجة الحرارة، أو حتى الإضاءة والتغذية، قد يؤدى لخسائر كارثية تطيح بمجهود سنوات من العمل فى لحظات، الأمر يشبه العناية المركزة التى لا يمكن أن تغفل عنها العين ثانية واحدة».
وتابع قائلا «المفاجأة التى لا يعرفها الكثيرون أن الكافيار يمثل فقط من 10% إلى 15% من وزن السمكة، فإذا امتلكنا «طنًا» من الأسماك، فلن نحصل منه إلا على 100 إلى 150 كيلو جرامًا فقط من الكافيار، والسعر النهائى للكافيار هو فى الحقيقة انعكاس لتقسيم تكلفة تربية طن كامل من الأسماك على مدار سنوات التربية لإنتاج تلك الكيلوجرامات؛ وهو تعويض لتكلفة الزمن والتعقيد التكنولوجي».
التكنولوجيا تتحكم
وحول دور التكنولوجيا فى هذه الصناعة يقول «مزارع أسماك الحفش بيئة عالية الحساسية ولا يجب التغافل عنها للحظة، المزرعة يتم التحكم فيها مختبريا عن طريق نظام الاستزراع السمكى المغلق والمعروف تقنيا بنظام إعادة التدوير RAS، وهو نظام يعتمد على تربية الأسماك فى بيئة متحكم فيها تماما، بدءا من إعادة تدوير المياه ومعالجتها باستمرار بهدف إعادة استخدامها، وأهم مميزاته هى الاستدامة؛ فهو يستهلك كمية قليلة جدًا من المياه مقارنة بالأنظمة التقليدية. ورغم أن تكلفته الإنشائية عالية، إلا أن إنتاجيته وربحيته الفائقة تعوض هذه التكاليف سريعًا، مما يجعله الاستثمار الأذكى فى استزراع الأسماك عالية القيمة».
الكافيار البرى والسوق العالمى
وأوضح د.ثروت أنه لا توجد منافسة مع الكافيار البري، لأنه غير متاح بالأساس إلا فى أضيق الحدود، وتحت رقابة صارمة جدا، ولذلك فإن معظم الكافيار الموجود حاليا بنسبة 95 % ناتج عن الاستزراع لضمان استمرارية وبقاء فصيلة أسماك الحفش المهددة أصلا بالانقراض.. وتخضع تجارة الكافيار البرى (من أسماك الحفش) لاتفاقية سايتس (CITES) الدولية، التى تهدف الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، وتنظم الاتفاقية حصاد وتسويق الكافيار لضمان استدامته.
وتمنع الصيد التجارى لسمك الحفش البرى على وجه الخصوص فى بعض مناطق بحر القزوين بالقرب من إيران، باستثناء حصص صغيرة جدا بهدف الأبحاث والأغراض العلمية.
وتابع قائلا «نتيجة لذلك أصبح الاستزراع لأسماك الحفش هو المصدر الوحيد لإنتاج الكافيار، وأصبح متقدما جدا فى الصين وإيران وأوروبا وألمانيا، كمصدر وحيد لإنتاج الكافيار، ويضاهى فى جودته الكافيار البرى بفضل التقدم الكبير فى تطبيق تقنيات الاستزراع والحصاد».
وأضاف «بالنسبة للسوق العالمى والمنافسة فهناك بالفعل منافسة مع الكافيار الصيني، ولكن فى رأيى أنها ليست منافسة سعرية بقدر ما هى منافسة جودة وثقة، والصين تعتبر أكبر منتج ومصدر للكافيار على مستوى العالم، حيث تستحوذ على أكثر من 40% من إنتاج الكافيار، بأسعار أقل بنسبة من 30 إلى 50% من الكافيار الأوروبي، لكن المنافسة الحقيقية لا تقف على السعر فقط وإنما تشمل الجودة والطعم والنكهة والثقة بين المنتج والعميل.
حلم الكافيار المصري
ويقول د. ثروت عطاالله «مشروع إنتاج الكافيار قابل للتنفيذ فى مصر بشرط الاعتماد الكامل على الخبرات الحقيقية فى التشغيل وتطبيق التقنيات والتكنولوجيا الحديثة فى الاستزراع، وتحتاج أسماك الحفش لدرجات حرارة معينة لتحقيق أفضل نمو ومعدلات الإنتاج، وهى متوافرة فى بعض المناطق بمصر، وهنا يأتى دور الخبرات التشغيلية وتقنيات الاستزراع التى يتم تطبيقها والاستعانة بها..
ويشرفنى جدًا أن أكون جزءًا من هذا المشروع فى مصر، وأنا على أتم الاستعداد لنقل كافة الخبرات، والتصميمات، والتكنولوجيا الحديثة، بل وتدريب الكوادر المصرية وتأهيلها وفق أعلى المعايير العالمية، وهدفى هو تقديم الاستشارات الفنية والإشراف الكامل لضمان تنفيذ مشاريع بكفاءة تضاهى ما نقوم به فى ألمانيا».
مع العلم بأن كلفة المشروع فى مصر أقل من مثيله فى أوروبا بسبب انخفاض سعر الأرض ورواتب العمالة ومجمل تكاليف التشغيل فى مصر أقل نسبيا مقارنة بالعديد من دول العالم..
لذلك مصر تمتلك مميزات تنافسية مذهلة؛ أهمها أن تكاليف التشغيل والإنتاج لدينا تنخفض بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بأوروبا، وهذا يعنى «مضاعفة الربحية»، أضف إلى ذلك وفرة العمالة والموقع الجغرافى العبقرى الذى يسهل لنا غزو الأسواق الأوروبية والخليجية بسرعة وبتكلفة شحن أقل.
روشتة نجاح
يقول د.ثروت «تنجح هذه الصناعة بتوفر ثلاث نقاط هي: القدرة الاستثمارية والصبر، لأن دورة رأس المال طويلة، والإدارة الفنية المنضبطة، والالتزام الصارم بمعايير التشغيل طوال سنوات التربية، والفريق المؤهل، ووجود كوادر تمتلك خبرة حقيقية للتعامل مع الأسماك فى كل مراحل نموها.. السر الذى لا يعرفه الكثيرون أن الجودة تُحدد منذ المراحل العمرية المبكرة للسمكة، وتبدأ من لحظة فرز الذكور عن الإناث، ونوع الأعلاف، ومراقبة جودة المياه بدقة، وصولًا لتوفير بيئة هادئة تمامًا للسمكة؛ فالتوتر هو العدو الأول لجودة الكافيار، وكل يوم تمر به السمكة دون «توتر» أو إجهاد هو استثمار فى طعم المنتج النهائي».
توقيت الحصاد
وأكد أن «توقيت الحصاد» هو اللحظة الأصعب.. لأنك ببساطة تنتظر لسنوات من التربية، وإذا فشلت فى تحديد «اللحظة المناسبة» للفرز أو الحصاد، تضيع كل هذه السنوات هباءً، الأمر يحتاج لـ «العين الخبيرة» والقدرة على الفحص الدقيق لاتخاذ قرار الذبح واستخراج الكافيار؛ فالتبكير يفسد الجودة والتأخير يضيع المحصول.
هناك طريقتان؛ إما عن طريق الذبح واستخراج الكافيار، أو تقنيات حديثة تسمح باستخراجه والسمكة على قيد الحياة للاستفادة منها لسنوات أخرى. تأتى بعد ذلك خطوات لا تقل أهمية، وهى «التمليح، والحفظ، والتعتيق»، وكل خطوة منها هى التى تفرق بين كافيار عادى وكافيار فاخر ينافس عالميًا.
وبين أرقام الإنتاج الصينى ومعايير الجودة الأوروبية، يقف الخبير المصرى د. ثروت عطا الله واضعًا يده على «مكمن الفرصة»، فمصر لا تمتلك فقط الموقع والمناخ، بل باتت تملك الآن «الخبرة المهاجرة المستعدة للعودة».
فهل تجد دعوته لتوطين هذه الصناعة صدىً لدى المستثمرين، لنرى قريبًا «الذهب الأسود» يُنتج بأيادٍ مصرية وعلم مصري، ويغزو الأسواق العالمية من قلب النيل؟
عبد العاطى يدعو المستثمرين لتعزيز تواجدهم بمصر
163 ألف طالب وطالبة يخوضون امتحانات الثانوية الأزهرية
100 خريج فى هندسة عين شمس بسوق العمل الأوروبى







