إيران.. ثنائية «النار والحوار» مع دول الخليج

طهران استهدفت بعض المنشآت النفطية فى دول الخليج
طهران استهدفت بعض المنشآت النفطية فى دول الخليج


خلال الأيام الماضية تداولت تقارير إعلامية غربية صورا تُظهر صواريخ إيرانية مكتوبا على بعضها أسماء منشآت الغاز القطرية، من بينها حقل غاز رأس لفان. فيما لم تصدر أى تأكيدات رسمية من طهران أو الدوحة بشأن صحة هذه الصور أو سياقها. ليبقى السؤال: لماذا تستمر إيران فى استهداف المصالح الخليجية، ولماذا الإصرار على الإضرار بالعلاقات الإيرانية مع دول الخليج؟


تأتى هذه التطورات فى سياق تصاعد التوترات الإقليمية مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتى استمرت ٤٠ يوما قبل الدخول فى الهدنة الحالية.


حيث شهدت تلك الحرب تطورا نوعيا خطيرا، من استهداف المنشآت العسكرية إلى ضرب قلب إنتاج الطاقة نفسه، بعد أن استهدفت إسرائيل حقل بارس الجنوبى وهو أكبر حقل للغاز الطبيعى فى العالم تتقاسمه إيران مع قطر عبر الخليج. كما يمثل الحقل نحو ثلث احتياطى الغاز الطبيعى فى أكبر حقل غاز بحرى فى العالم، ويسهم بأكثر من 40٪ من إجمالى إمدادات الغاز الإيرانية، مما يجعله عنصرا محوريا فى دعم الاقتصاد للبلاد.
وردا على تلك الهجمات الاسرائيلية، ضربت إيران مدينة رأس لفان الصناعية فى قطر، التى تعالج نحو 20٪ من إمدادات الغاز العالمية، وأفادت شركة قطر للطاقة بوقوع «أضرار جسيمة» بعد أن أصابت الصواريخ الإيرانية المدينة، مع اندلاع «حرائق كبيرة» فى عدة منشآت للغاز الطبيعى المسال.


وقد أثارت صور متداولة لصاروخين إيرانيين من طراز «خرمشهر» و»قدر» يحملان لافتة مكتوبا عليها «رأس غاز- قطر» خلال عرض شعبى وعسكرى قدمته إيران لإظهار الجاهزية، موجة غضب واسعة بين القطريين على منصات التواصل الاجتماعى، حيث اعتبرها المواطنون القطريون رسالة تهديد مباشرة لمنشآت حيوية فى الخليج ودليلاً على طبيعة الأهداف المحتملة فى أى تصعيد. بينما يتزامن ذلك مع تحذيرات عسكرية إيرانية لدول الجوار من مغبة السماح باستخدام أراضيها فى هجمات ضد طهران، مؤكدة أن ذلك قد يعرض إنتاج النفط فى المنطقة للخطر.


وقد تسببت الهجمات التى شنتها طهران- خلال فترة الحرب – ضد محطات وحقول الغاز فى العديد من دول الخليج وعلى رأسها قطر، فى خسائر فادحة لمجال الطاقة بصفة عامة والغاز الطبيعى المسال بصفة خاصة.


ويرى محللون سياسيون أن التحركات الإيرانية ينظر لها باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف الضغط على دول الخليج. حيث تسعى إيران إلى إبعاد هذه الدول عن التحالفات الغربية، خاصة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومنع استخدام أراضيها أو قواعدها فى أى عمليات عسكرية محتملة ضدها.


كما يفسر مراقبون أن هذا النهج الإيرانى أيضا يأتى ضمن ما يُعرف باستراتيجية «توزيع الضغط»، إذ تعمل طهران على توسيع نطاق التوتر عبر عدة ساحات، من بينها اليمن والعراق والخليج، بهدف تشتيت قدرات خصومها ورفع تكلفة أى مواجهة مباشرة. كما يُنظر إلى استهداف منشآت الطاقة وممرات الشحن، مثل مضيق هرمز، كوسيلة للضغط على الاقتصاد العالمى ودفع المجتمع الدولى نحو التدخل أو الوساطة.


ورغم تعرضها لضغوط وهجمات إيرانية، أظهرت دول مجلس التعاون الخليجى، خلال فترة الحرب، قدرة استراتيجية عالية على ضبط النفس، بأن حافظت على «ضبط النفس الاستراتيجى»، وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة. كما تبنت دبلوماسية «تقليل المخاطر» لمنع تحول المنطقة إلى ساحة حرب شاملة قد تعصف باقتصاداتها وأمنها، واستخدمت قنوات الحوار الدبلوماسى مع طهران وواشنطن لتهدئة الأوضاع ومنع التصعيد.


ومنذ اللحظة الأولى من الحرب، اتخذت دول الخليج موقفا واضحا برفض استخدام أراضيها أو أجوائها من قبل الولايات المتحدة لشن هجمات عسكرية على إيران.


وركزت فى الوقت ذاته على تعزيز منظومات الدفاع الجوى الوطنية لحماية بنيتها التحتية ومنشآت الطاقة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
وهذا الموقف الخليجى، فى المرحلة الراهنة، أسهم فى الحد من تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، كما حدّ من قدرة طهران على استدراج دول المنطقة إلى دائرة الاشتباك المباشر. ومع ذلك، لا يزال التحدى قائمًا فى تحقيق توازن دقيق بين صون السيادة الوطنية وتفادى الانزلاق إلى حرب أمريكية إسرائيلية إيرانية قد تدفع المنطقة إلى مصير مجهول.


ويرى السفير ياسر عثمان مساعد وزير الخارجية الأسبق أن التصعيد الإيرانى ضد دول الخليج يستهدف أيضاً ضرب التواجد العسكرى الأمريكى فى المنطقة والتأثير على ديمومته، فضلاً عن المس بسلاسل إمداد مصادر الطاقة مما يشكل عبئا وضغطا متزايدا على الاقتصاد العالمى بشكل عام والأمريكى على وجه الخصوص، مشيراً إلى أن هناك بعدا آخر لهذه الهجمات الإيرانية وهو أن طهران تحاول ضرب نموذج التنمية والاستقرار الذى تمثله دول الخليج.


وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن قيام إيران بانتهاج سياسة التصعيد الأفقى فى المنطقة، من خلال الاعتداء الممنهج الآثم والمدان بأشد العبارات على دول الخليج العربى، إنما جاء بهدف إشاعة الفوضى فى الإقليم ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وتكثيف الضغوط عليها لوقف التصعيد ودفعها لوقف الحرب ضد إيران، وذلك بالنظر إلى أن دول الخليج تعد حليفا رئيسيا للجانب الامريكى وتشكل أهمية استراتيجية بالنسبة له.


ولفت السفير ياسر عثمان إلى أن دول الخليج تشكل هدفا أكثر سهولة بالنسبة لإيران نظرا لقربها الجغرافى ووقوعها فى نطاق صواريخها قصيرة المدى وطائراتها المسيرة، بالإضافة إلى أن دول الخليج تقع أيضاً فى مدى أسلحة أذرع إيران فى الإقليم.


وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن هذا الأمر يطرح نقطة جوهرية، وهى كيف أن برنامج التسلح الإيرانى لم يعد للردع أو للدفاع كما كانت تروج له طهران، بل أصبح وسيلة للهجوم والاعتداء على الدول العربية فى الخليج والأردن والعراق، رغم أنها كلها دول أعلنت عن رفضها للحرب الدائرة وأن أرضها ليست ساحة للهجوم على أى طرف.. وهو ما يفرض على كل الدول العربية تحديا هاما يتعلق بضرورة التشاور والتعاون بشأن قضية الامن القومى العربى وآلياته لمواجهة اخطار المرحلة الراهنة.


ومن جانبه، وفى تصريحات له مؤخرا، أكد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى عزم طهران الحفاظ على علاقات ودية مع دول الخليج العربى. كما أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع نظيريه القطرى محمد بن عبدالرحمن آل ثانى، والسعودى فيصل بن فرحان، تم التباحث خلالهما بالتطورات الإقليمية واتفاق وقف إطلاق النار بالمنطقة. وشدد وزراء خارجية الدول الثلاث خلال الاتصالات على ضرورة مواصلة الاتصالات لدعم جهود السلام وتعزيز الاستقرار.


المشهد الإقليمى الحالى يكشف عن معادلة معقدة، حيث تمضى إيران فى نهج التصعيد واستهداف المصالح الحيوية لدول الخليج خاصة فى قطاع النفط والطاقة، بينما تلتزم دول الخليج بسياسة ضبط النفس والاحتواء الدبلوماسى. ورغم نجاح هذا النهج فى تجنب مواجهة شاملة حتى الآن، فإن استمرار التوتر يهدد استقرار العلاقات الإقليمية وأمن الطاقة العالمى. ليظل تعزيز الحوار وتغليب لغة للدبلوماسية الحل الأمثل لاستقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى حافة الهاوية.