بعد الاختصار

حرب لا يراها أحد!

عمرو جلال
عمرو جلال


وهكذا فإن مفاتيح الحل ليست فى أيدى السودانيين أنفسهم

السؤال المر الذى يطرحه كثير من المحللين هو لماذا يتلقى صراع بحجم كارثة السودان هذا القدر الهزيل من الاهتمام العالمى؟.. منظمة «العمل ضد الجوع» أعلنت منذ أيام أن أكثر من 33 مليون شخص، أى ما يزيد على نصف سكان السودان، يعتمدون على المساعدات للبقاء أحياء، وأن مجاعتين رسميتين أُعلنتا فى السودان من أصل ثلاث مجاعات فى العالم كله!!..

الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أطلقت تحذيرات عدة من أن السودان يشهد أسوأ أزمة إنسانية فى العالم... 15 إبريل الماضى مرت ثلاث سنوات كاملة على بدء هجمات قوات الدعم السريع الوحشية على الدولة السودانية، مما تسبب فى أزمة كارثية، ومقتل الآلاف، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص داخلياً وخارجياً. الحرب أدت إلى دمار واسع، ولا تزال حصيلة النزوح والجوع والقتل والمآسى فى تزايد مستمر..لكن لماذا يتجاهل العالم مأساة السودان ويجعل منها حربا لا يتابعها ولا يراها أحد؟!..

حتى فيديوهات مواقع التواصل لن تصيبك منها ٣٠ ثانية عما يحدث هناك من أهوال..أما أسباب الإهمال فالإجابة ليست بسيطة، بل هى مزيج من عوامل متشابكة رصدتها تقارير بعض مراكز الأبحاث..أولها هى أن السودان لا يمتلك فى حسابات القوى الكبرى ما يجعله أولوية قصوى فهو لا يسيطر على مضيق بحرى عالمي، ولا يمثل شرياناً رئيسياً للطاقة. ورغم ثرواته من الذهب والأراضى الخصبة، إلا أنها لا تشكل أوراق ضغط قوية، خاصة أن إنتاجه النفطى هزيل ما بين 30 إلى 71 ألف برميل يومياً مما يضعه فى ترتيب متأخر عالمياً.


أما السبب الثانى هو غياب «الجاذبية الإعلامية» حيث تميل وسائل الإعلام الدولية لتغطية الصراعات التى تتورط فيها قوى غربية مباشرة أو تقع فى مناطق جيوسياسية حساسة. والسودان يفتقد لهذه العوامل فى نظر الغرب، فضلاً عن أن الحرب الإيرانية الأخيرة، خطفت الأضواء تماماً.
أما السبب الثالث فهو أن النزاع السودانى معقد وتتشابك فيه أطراف دولية عديدة والمصالح فيه متضاربة، مما يجعل من الصعب على الإعلام «تبسيط» المشهد للجمهور العالمى الذى يميل عادة للقصص الواضحة والمباشرة..

ويؤكد الباحثون أن الحرب فى السودان لن تنتهى إلا إذا توقفت القوى الخارجية عن ضخ الوقود فى نيرانها...المطلوب أن تجلس الدول المؤثرة بالصراع السودانى على مائدة واحدة وتتفق فيما بينها عندها لن تستمر هذه الحرب وستتوقف فورا..وهكذا فإن مفاتيح الحل للأسف ليست فى أيدى السودانيين أنفسهم بل فى مكاتب وزارات خارجية وأجهزة دول أخرى! ..السيناريو الكارثى الأقرب للحدوث هو تفتيت السودان إلى دويلات فى حال إذا لم يتم هذا الاتفاق الدولى بين الفاعلين فى السودان.. ويدعم سيناريو التفتيت كما يقول الخبراء هو سابقة انفصال الجنوب عام ٢٠١١ م حيث تصبح فكرة التقسيم تبدو ممكنة وغير محظورة فى أذهان السودانيين وبعض الأطراف الدولية والإقليمية.


وفى ظل هذا المشهد القاتم، تبرز مصر كأكثر الأطراف تمسكاً بوحدة السودان .. القاهرة أعلنت بوضوح أن تفكك السودان «خط أحمر» لا يمكن تجاوزه. وأهمية السودان لمصر لا تتوقف عند ملف مياه النيل، بل تمتد لتشمل العمق الاستراتيجى الجنوبى لمصر، وأى فوضى فيه تعنى تهديداً مباشراً لحدودها الجنوبية وكذلك الروابط الاجتماعية بيننا حيث التداخل القبلى والأسرى بين الشعبين يجعل من أمن السودانى واستقراره جزءاً لا يتجزأ من الاستقرار الاجتماعى المصري. كما أن وحدة السودان تمنع تحوله إلى بؤرة لتصدير الإرهاب أو مركز للهجرة غير الشرعية والنزوح الجماعي.


إن التاريخ لن يغفر لهذا العالم صمته المخزى أمام دماء السودانيين التى تسيل بعيداً عن الكاميرات.. إن السودان ليس مجرد مساحة جغرافية بلا أهمية على الخريطة، بل هو قلب إفريقيا النابض الذى إذا توقف عن الخفقان، فستطال ارتداداته الجميع بلا استثناء.