تشهد المرحلة الراهنة من الصراعات العسكرية، تحولات جذرية في استراتيجيات القتال، إذ باتت الكلفة الباهظة للتسلح المحرك الرئيسي لقرار وقف العمليات العسكرية أو استمرارها، حيث لم تعد الحروب تدار فقط بالمواجهة الميدانية، بل بالقدرة على استدامة المخزون الاستراتيجي من الأسلحة الذكية، وتأكد ذلك خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي لم تؤكد هزيمة طرف على حساب الآخر، رغم القوة العسكرية، التي تتمتع بها الولايات المتحدة.
◄ فاتورة المليارات وتعطل الماكينة العسكرية
أكد الدكتور اللواء محمد الغباري، مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق، أن التطور في أنظمة التسلح الحديثة صاحبه تصاعد جنوني في التكاليف؛ إذ قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد المخصص لاعتراض الأهداف الجوية إلى ما بين 10 و15 مليون دولار، مشيرًا إلى أن هذا الاستنزاف المالي والمادي هو السبب الحقيقي وراء توقف أو هدوء بعض الجبهات مؤخراً، بما في ذلك التراجع المؤقت في وتيرة الدعم العسكري لبعض القوى الإقليمية.

وأشاف أن دولاً كبرى وإقليمية وجدت نفسها أمام نفاذ في مخزونها من الصواريخ الاستراتيجية، مما اضطرها للدخول في «هدنة تقنية» لإعادة استكمال القدرات التصنيعية، وهي عملية قد تستغرق ما بين 7 إلى 8 أشهر لاستعادة الكفاءة القتالية ورفع عدد الصواريخ والطائرات إلى مستوياتها السابقة.
◄ الحسم الأرضي مقابل حرب المسافات
وفي مقارنة بين الهجمات الجوية والتقدم البري، شدد مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق، على أن «حرب الصواريخ لا تحسم الأرض»، موضحاً أن السيطرة الحقيقية تظل رهينة «الجيوش البرية». واستشهد بالنموذج الروسي الذي اعتمد على الهجوم البري لتأمين نطاقات جغرافية محددة، في حين أن الاعتماد الكلي على الطيران والصواريخ لسنوات قد لا يحقق مكاسب إقليمية ملموسة، واصفاً المواجهات التي تعتمد على القصف المتبادل عن بُعد بأنها «حرب استنزاف» لا تنتهي بمكسب أو خسارة واضحة.

وحول الدور المتنامي للطائرات المسيرة «الدرونز»، أشار الغباري إلى أنها ليست ابتكاراً حديثاً، لكن التطور يكمن في تحويلها من أدوات استطلاع إلى منصات هجومية مزودة بالذخيرة. ورغم صغر حجم حمولتها المتفجرة، إلا أن قيمتها الاستراتيجية الكبرى تكمن في "خداع شبكات الرادار".
اقرأ ايضا| حروب بلا جنود.. كيف تغير التكنولوجيا ميزان القوة العالمي؟
شارحاً بأسلوب تقني كيفية استخدام المسيرات في «تعمية» أنظمة الدفاع الجوي، حيث يتم إطلاقها بكثافة لخلق عشرات الأهداف الوهمية على شاشات الرادار، مما يربك المحلل العسكري ويجعل من الصعب التمييز بين الهدف الحقيقي والشرك الخداعي.
◄ تكتيكات الحرب الإلكترونية
تطرق الغباري إلى تكتيكات الحرب الإلكترونية، موضحاً استخدام «الرقائق المعدنية» التي تلقيها الطائرات لتشتت الموجات الكهرومغناطيسية للرادار. فعندما تنثر الطائرة آلاف الرقائق، تظهر على شاشات الدفاع الجوي كنقاط بيضاء كثيفة تمنع رصد الطائرة الحقيقية.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن الرادارات الحديثة «ثلاثية الأبعاد» تحاول التغلب على هذه المعضلة عبر تحليل المقطع العرضي للأهداف، إلا أن ضخامة عدد الأهداف الوهمية «70 إلى 80 هدفاً في آن واحد» تظل تمثل تحدياً زمنياً حرجاً يحول دون اتخاذ قرار التصدي في الوقت المناسب، وهو التكتيك الذي يفسر كيفية تنسيق الهجمات المركبة التي تبدأ بالمسيرات لتتبعها الصواريخ والطائرات المقاتلة.


الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







