فى زمنٍ تحوّل فيه «الترند» إلى معيارٍ أعلى من الحقيقة، لم يعد بعض أباطرة الإعلام والسوشيال ميديا يبحثون عن الخبر، بقدر ما يبحثون عمّا يثير الجدل ويصنع الضجيج.
تلك القاعدة الصحفية القديمة التى تقول: «إذا عضّ الكلب إنسانًا فليس هذا خبرًا، أما إذا عضّ الإنسان كلبًا فهذا هو الخبر» لم تعد مجرد طرفة مهنية، بل أصبحت منهجًا لدى منصات تُراهن على الإثارة أكثر من المصداقية، حتى لو كان المحتوى زائفًا أو مضللًا.
من هنا برز اسم د. ضياء العوضى كأحد نماذج التحوّل من مسار طبى تقليدى إلى مادة خام لصناعة المحتوى المثير.
فالرجل الذى بدأ حياته طبيبًا متفوقًا، وتخصص فى مجالاتٍ دقيقة كالتخدير والعناية المركزة، وجد طريقه سريعًا إلى المنصات التى تقيس النجاح بعدد المشاهدات، لا بمدى صحة أو دقة المعلومة. ليس لأن ما يُطرحه علمى أو رصين، بل لأن ما يُقال يخرج عن المألوف ويكسر حدود المنطق، مقدمًا ما عُرف بـنظام الطيبات الغذائي.
المشكلة لم تكن يومًا فى اختلاف الآراء، بل فى تحويل الشذوذ الفكرى إلى «سلعة رقمية» تُباع وتُشترى على حساب وعى الجمهور. فقد جرى تقديمه فى بعض المنصات بوصفه صاحب «رؤية طبية مغايرة» بلا سند حقيقي، ومع تصاعد الجدل، تحوّل حضوره من نقاش مهنى إلى حالة «ترند» تُستهلك إعلاميًا.
ضمن هذا المشهد، وجد أباطرة الإعلام الرقمى ضالتهم: شخصية مثيرة، خطاب صادم، وجمهور منقسم. وكلما ارتفع الصوت واشتد الجدل، تضاعفت الأرباح. وهكذا صار الضجيج مؤشر نجاح، والاستفزاز بديلاً عن المعلومة، والغرابة بديلاً عن العلم، بينما تراجعت الحقيقة إلى الخلفية.
لقد أصبحنا أمام حلقة مغلقة: إعلام يبحث عن الإثارة، وشخصيات تبحث عن الضوء، وجمهور يُستدرج نحو الضجيج. على هذا النحو، يُدفع بعض أصحاب الطروحات المثيرة إلى دائرة الضوء بلا تمحيص ولا أسانيد، ثم يُتركون فى مواجهة عاصفة من التأويل والانقسام لا ترحم.
إن هذه الحالة ليست قصة فرد، بقدر ما هى مرآة لمشهد يخلط بين المعرفة والترفيه، وبين العلم والجدل. وأخطر ما يواجه هذا المشهد اليوم هو غياب البوصلة التى تفرّق بين الرأى العلمى والاجتهاد الشخصي، وبين التفكير العقلانى والادعاء غير المنضبط ، فحين يصبح «الترند» هو الحكم، تصبح الحقيقة أول الخاسرين، ويتحمّل وعى الجمهور الكلفة الأكبر فى سوقٍ يعبد اللمعان العابر، ويُقصى الحقيقة الهادئة.

الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى







