المشهد لم يكن مجرد لقطة بروتوكولية داخل مؤتمر الاتحاد الدولى لكرة القدم، بل لحظة مكثفة اختلط فيها السياسى بالرمزي، والرياضى بالإنسانى. على منصة واحدة، حاول جيانى إنفانتينو (رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم) أن يصنع صورة «تقارب رياضى» عبر دعوة جبريل الرجوب (رئيس الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم) ونظيره شينو زواريتز (رئيس الاتحاد الإسرائيلى لكرة القدم بالإنابة) للمصافحة أمام الكاميرات.
لكن ما بدا محاولة لالتقاط صورة توافق، تحوّل سريعًا إلى مشهد كاشف.
شينو زواريتز (رئيس الاتحاد الإسرائيلى لكرة القدم بالإنابة) أبدى ترحيبًا واضحًا بالمصافحة، فى إطار صورة يراد لها أن تعكس «طبيعة عادية» للعلاقة داخل فضاء رياضى عالمى. فى المقابل، جاء موقف جبريل الرجوب (رئيس الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم) حاسمًا: رفض المصافحة، تجاهل اللحظة، وغادر المشهد، فى رسالة مباشرة تتجاوز حدود البروتوكول إلى جوهر القضية.
هنا، انكشفت حدود فكرة «فصل الرياضة عن السياسة». فحين تتحول الصورة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع أو تجميله، يصبح الامتناع نفسه فعلًا مضادًا. رئيس الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم لم يرفض شخصًا بقدر ما رفض سياقًا كاملًا يرى أنه يتجاهل أصل القضية، ويحاول القفز فوق واقع لم يُحل.
الواقعة أعادت التأكيد على أن الرياضة، رغم خطابها العالمى حول التنافس والتقارب، تظل ساحة تعبير للشعوب. ليست محايدة بالكامل كما يُروَّج، بل مرآة لما يجرى خارج الملاعب. ولهذا، حين اختار رئيس الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم الرفض، كان يدرك أن الصورة التى لم تُلتقط، قد تكون أبلغ من أى صورة تم التقاطها.
وفى قلب هذا المشهد، برزت فكرة أعمق: أن القضايا المرتبطة بالأرض والهوية لا يمكن اختزالها فى لقطات رمزية أو مصافحات عابرة. مهما تعددت الأدوات -سياسية كانت أو إعلامية- يبقى هناك حد لا يمكن تجاوزه حين يتعلق الأمر بما يُنظر إليه كحق أصيل لا يسقط بالتقادم.
وليس هذا المشهد استثناءً، فقد سبق أن فرضت السياسة نفسها على الرياضة فى أكثر من مناسبة، حتى فى ملفات مثل مشاركة المنتخب الإيرانى فى اللعب داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لكن اللحظة هنا بدت أكثر وضوحًا، لأن الرفض جاء فى قلب الصورة نفسها، لا خارجها.
فى النهاية، قد تنجح السياسة أحيانًا فى إعادة صياغة المشاهد، وقد تنجح الآلة الإعلامية فى توجيه الانتباه، لكن تبقى هناك لحظات تقف فيها الشعوب -حتى عبر الرياضة- لتقول إن بعض القضايا لا تُصافَح، بل تُحسم.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







