جيل سينمائى جديد يفرض نفسه ويعيد تشكيل الذائقة النقدية
المخــرج محمــــد ياسيــــــن أدار التحكيــــم باقتدار وجعل من الاختلاف ثراءً لا عبئًا
شهــادة تقديــر لطبيبـة جســدت دور عاملة فى كوافير بصدق لافت
لم تكن مشاركتى هى الأولى فى لجنة تحكيم المهرجان، لكنها بدت مختلفة هذه المرة. بفضل وجود لجنة متناغمة وواعية، استطاعت أن تحوّل الاختلاف إلى مساحة للفهم، والنقاش إلى أداة لإعادة النظر، لا مجرد تثبيت للمواقف.
فى قلب هذه التجربة، جاء حضور المخرج محمد ياسين، رئيس اللجنة، ليمنحها توازنًا خاصًا، فلم يكن يقود النقاش بسلطة، بل بحكمة واقتدار، يفتح المساحات للرأى، ويُعلى من قيمة التعدد، فى نموذج نادر لإدارة الاختلاف بوصفه ثراءً لا عبئًا.
على مدار أيام المشاهدة، لم تكن اللجنة تبحث عن «الأفضل» بمعناه الشائع، بل كانت تنقّب فى التفاصيل، وتُحلل وتجادل، فى عملية نقدية دقيقة تحترم كل عمل، بصرف النظر عن لغته السينمائية أو مساره. كان الهمّ الحقيقى هو التقاط ذلك الخيط الخفى: الصدق الفنى، ذلك العنصر الذى لا يُرى بسهولة، لكنه يُحَس ويظل عالقًا فى الذاكرة. فالأعمال التى لامستنا كانت القادرة على النفاذ إلى نفوسنا، وترك أثر يمتد لما بعد انتهاء المشاهدة. كما حرصت على تحقيق توازن دقيق بين الرؤية الإبداعية والفكرية، وبين قدرة العمل على التعبير عن الإنسان فى تعقيداته وتفاصيله اليومية، بعيدًا عن التصنيف أو الأحكام الجاهزة، إيمانًا بأن كل فيلم هو محاولة لإضافة صوت جديد إلى هذا الفن الواسع والمتجدد.
وقد عكست هذه الرؤية ما أشار إليه المخرج محمد ياسين، حين وصف التجارب الجديدة بأنها لا تزال قادرة على الحلم والتجريب والتجديد رغم التحديات، وأن ما شهدته اللجنة من تنوع بين السينما الجماهيرية والرؤى الذاتية يمثل طاقة حية، تُعيد التذكير بأن السينما لا تسير فى اتجاه واحد، بل تتسع للجميع، وأن جيلاً جديدًا يسعى بوعى وإخلاص ليجد صوته ويصنع مكانته.
غياب لا يليق باللحظة
وسط هذه اللحظة التى تستحق الاحتفاء، ظل الغياب اللافت لبعض النجوم وصناع السينما الشباب أمرًا لا يليق بقيمة هذه اللحظة، ولا بما تمثله من لقاء مباشر مع جمهور كان ينتظر أن يشاركهم هذا الاستحقاق. فالجائزة ليست مجرد درع أو شهادة، بل لحظة اعتراف بتاريخ يتشكل، ورسالة تقدير صادرة عن مهرجان راسخ وعريق، تمنح لمن يقف على منصته معنى مختلفًا للنجاح، لا يُختزل فى النتيجة، بل يكتمل بالحضور. فالسينما ليست فقط ما نراه على الشاشة، بل ما نختار أن نكون جزءًا منه، وهنا تُقاس قيمة الحضور. ومن ثم، لا يبدو غريبًا أن تفقد لحظة الاعتراف بريقها حين يغيب عنها أصحابها.
إعادة تشكيل الخريطة
بدا المشهد واضحًا: السينما المصرية تعيش لحظة انتقالية يقودها جيل شاب لا يكتفى بالحضور، ولا يشارك فقط فى الإنتاج، بل يفرض نفسه عبر النتائج. لم تعد الجوائز مجرد تتويج، بل مؤشرًا على إعادة تشكيل الخريطة. الجيل الجديد لم يعد يطرق الباب، بل دخله بالفعل، ليقدم سينما أقل ادعاءً، أكثر بحثًا، وأكثر جرأة فى الاقتراب من الهشاشة الإنسانية دون خوف من الكسر. ولم يعد المشهد مجرد احتفاء سنوى، بل إعلان عن تحوّل حقيقى فى مركز الثقل داخل الصناعة.
يبرز ذلك فى تتويج فيلم «دخل الربيع يضحك» بجائزة سامى السلامونى للابتكار والتجديد، باعتباره تجربة تخرج عن البناء التقليدى للسرد، وتعيد الاقتراب من الحياة اليومية بوصفها مادة سينمائية حيّة، تعتمد على التلقائية والصدق. ويعزز هذا الإحساس اعتماد المخرجة نهى عادل والمنتجة كوثر يونس على وجوه غير محترفة، ما يعكس اعترافًا واضحًا بأن الشكل المختلف أصبح جزءًا من المعادلة لا استثناءً منها. وذلك من خلال أربع قصص تتميز كل واحدة منها بطابع واقعى شديد التلقائية، يقترب من الإيهام بعدم التصنع.
كما منحت اللجنة شهادة تقدير للممثلة غير المحترفة، الدكتورة الصيدلانية «ريم العقاد»، عن دورها كعاملة فى كوافير، قدمت من خلاله أداءً صادقًا ومكثفًا، فى مساحة زمنية قصيرة، وفرضت حضورًا لافتًا يؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى زمن طويل بقدر ما تحتاج إلى لحظة صدق. كذلك جاءت جائزة الشجاعة الإنسانية للطفل «بدر محمد» عن فيلم «ضى سيرة أهل الضى»، لتجسيده ذاته الحقيقية أمام الكاميرا دون مواربة أو خوف، فى تكريم يتجاوز الأداء إلى الدلالة، حيث شكّل ظهوره رسالة فى مواجهة الوصم، وتأكيد أن الاختلاف جزء من ثراء التجربة الإنسانية.
أما جائزة أفضل فيلم فذهبت إلى «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» بوصفه عملًا سينمائيًا مكتملًا نجح فى تحقيق توازن بين العمق الإنسانى والبناء الفنى، مقدمًا تجربة تطرح أسئلة وجودية عبر معالجة صادقة وبعيدة عن الحلول السهلة.
فاستحق الفيلم جائزة السيناريو، وحصل المخرج خالد منصور على جائزة الإخراج، كما استحق عصام عمر جائزة أفضل ممثل عن أداء تميز بقدرة لافتة على التعبير عن التناقضات الداخلية، حيث لم يؤدِّ الشخصية بقدر ما عاشها، فحوّل تجربتها من حالة فردية إلى تجربة إنسانية عامة..
ولأن الإيقاع من أهم العناصر فى بناء الكوميديا، ذهبت جائزة المونتاج لفيلم «سيكو سيكو»، حيث لعب دورًا محوريًا فى خلق مفارقات بصرية ودعم الإيقاع العام. بينما تألق عبدالسلام موسى فى تصوير فيلم «ضى» عبر معالجة بصرية واعية عكست روح العمل بصدق وعمق.
تكشف النتائج مجتمعة عن مشهد لا يقوم على ذائقة واحدة، بل على تعدد وتنوع فى معايير التقييم، إذ لم تُقصِ اللجنة اتجاهًا لصالح آخر، ولم تمنح جوائزها وفق مركزية واحدة للذوق، بل أتاحت لكل تجربة أن تُختبر داخل منطقها الخاص.
فى النهاية أقول إن مهرجان جمعية الفيلم ظل على مدى 5 عقود حدثًا كبيرًا بأثره ودوره التاريخى فى دعم السينما المصرية. وفى تقديرى، إن ما يميز هذا المهرجان، الذى يرأسه مدير التصوير محمود عبدالسميع، ليس فقط استمراريته، بل إصراره على عدم اختزال السينما فى بريق النجومية، والتعامل معها كمنظومة متكاملة من الحرف والمهن، تمتد لتشمل مختلف عناصر الصناعة من الأفيش والمكياج، والحيل السينمائية والجرافيك. كما نجح فى جعل التكريم أداة لتوثيق تاريخ مهنى كامل، لا مجرد لحظة احتفالية عابرة.
ديزني بلس تحتفي بالهوية العربية عبر عناوين مبتكرة لأشهر أعمالها العالمية
أحمد تيمور يضيء ساقية الصاوي الليلة بأمسية شعرية استثنائية
بعد نجاحه في رمضان 2026.. حمزة العيلي يحصد تكريمًا دوليًا جديدًا







