في غرف الانتظار الطويلة بالمستشفيات الحكومية، حيث تختلط رائحة المطهّرات بقلق الأهالي، يجلس الطفل «عمر» على كرسيه المتحرّك، يراقب حركة الناس من حوله بصمت أكبر من سنّه، طفل في الخامسة عشرة من عمره، لكن ملامحه تحمل ما لا تحمله ملامح كثير من الكبار: تعب مبكّر، وصبر إجباري، أسئلة لا يجد لها إجابة، يمدّ يده أحيانًا ليعدّل وضع جسده، ثم يتوقف، كأن عضلاته تذكّره في كل مرة بأنها لم تعد كما يجب، هنا في هذا المكان لا يبدو عمر مجرد رقم في كشف انتظار، بل حكاية كاملة عن مرض، وعن غياب، وعن معركة غير متكافئة مع الحياة، مزيد من التفاصيل فى السطور التالية.
وُلد “عمر” وهو يحمل في جسده الصغير عبئًا أكبر من سنّه بكثير لم يكن قد تجاوز أيامه الأولى في الدنيا حين بدأت أمّه تلاحظ أن حركته أضعف من الطبيعي، وأن بكاءه مختلف، كأن عقله يحاول أن يرسل إشارات مبكرة عن معركة طويلة قادمة في الطريق، في البداية حاولت الأم تطمئن نفسها: «يمكن طفل هادي شوية»، لكن الشهور عدّت، وعمر لا يجلس مستريحًا، ولا يحبو مثل باقي الأطفال، وبدا واضحًا أن عضلاته لا تساعده كما ينبغي.
بدأت رحلة المستشفيات الطويلة: عيادات حكومية، مراكز خاصة، تحاليل وأشعة، وانتظار لساعات في ممرات مزدحمة وفي النهاية جاء التشخيص القاسي: ضمور في العضلات، مرض وراثي نادر، يهاجم العضلات تدريجيًا، ويضعف القدرة على الحركة، وقد يصل في بعض أنواعه إلى التأثير على التنفس والاعتماد الكامل على الآخرين، الأم لم تكن تفهم المصطلحات الطبية الثقيلة، لكنها فهمت المعنى البسيط والمخيف: ابنها مريض، ومرضه مزمن، وعلاجه يحتاج مالا كثيرا ومتابعة طويلة وصبر أكتر.
في بيت الزوجية لم يكن الخبر سهلًا؛ الأب وهو رجل أعمال مقتدر ماديًا، صاحب مصنع استقبل التشخيص ببرود غريب، في الأول كان الصمت سيد الموقف، الأم تطلب استكمال الفحوصات، جلسات علاج طبيعي، أدوية، متابعة دورية، وهو كان يردّ مرة إن «العلاج مش مضمون»!، ومرة «المصاريف كتير على الفاضي»!، رغم إن وضعه المادي يسمح بتحمّل التكاليف دي من غير ما حياته تهتز أو مصنعه يتأثر.
الهروب سريعًا
الخلافات كبرت، وتحولت من نقاشات حادة إلى قطيعة، وفي النهاية صدر القرار الأصعب: الانفصال خلعًا، خرجت الأم من بيت الزوجية وهي تحمل طفلًا مريضًا، وملف طبي ممتلئ بالتقارير، وخوف ثقيل من المستقبل، الأب لم يكتفِ بالانفصال، لكنه اختفى تقريبًا من حياة ابنه، ورفض يشارك في علاجه أو ينفق عليه.
المفارقة المؤلمة أن التقارير الطبية أثبتت أن المرض وراثي من جهة عائلة الأب، وتحديدًا من ناحية شقيقه بمعنى أن الجينات التي أدخلت المرض لجسم عمر جاءت من نفس العيلة اللي قررت بعد ذلك تتخلى عنه، هذه الحقيقة لم تغير شيئا في موقف الأب، الذي فضّل الهروب بدلا من المواجهة، رغم قدرته المادية الواضحة.
كبر عمر، وكبرت معه معاناته اليومية، جلسات العلاج الطبيعي أصبحت جزءًا ثابتًا من حياته، والأدوية باتت ضرورة، وليست رفاهية، في أيام يستطيع الجلوس بمفرده، وأيام أخرى يحتاج مساعدة حتى في أبسط التفاصيل، أمّه كانت تحاول دايمًا تبتسم أمامه وتخفي تعبها، وتدبّر أمورها بأي طريقة: تستلف، تطلب مساعدة من أقارب، تحاول توصل لجمعيات خيرية، وتضحي بأي حاجة تخصها من أجل ان توفّر له العلاج.
لكن الحقيقة كانت أقسى من قدرتها على الاحتمال، تكاليف العلاج كانت أكبر من إمكانياتها بكثير، خصوصًا مع غياب أي دعم من الأب، رغم إنه صاحب مصنع ودخله ثابت، السؤال كان دائمًا يلح فى عقلها: «إزاي أب قادر ماديًا يسيب ابنه يواجه المرض لوحده»؟!
مع الوقت بدأ يظهر حل قانوني؛ يعطي للطفل غير القادر على الكسب خاصة لو مريض، حق إنه يطالب بما يُعرف بـ «نفقة الأقارب»، وهي دعوى تُلزم الأقارب القادرين بالمساهمة في نفقات المعيشة والعلاج، في حالة امتناع الأب أو تقاعسه، لكن الطريق ليس سهلا، ويحتاج محاميا قادرا أن يحوّل الألم الإنساني لملف قانوني متماسك.
عندما بلغ عمر 15 سنة، كانت حالته الصحية قد تدهورت نسبيًا، واصبح اعتماده على غيره أكبر، في هذا السن يفكر غيره من الأطفال في المدرسة والخروج والأصحاب، أما هو كان خياره الوحيد جلسة العلاج القادمة وفي الوجع الذي بعده وفي سؤال بسيط وموجع سأله الابن لأمه في ساحة المحكمة دون أن يدري لماذا هو هنا: «هو بابا ليه مش عايز يقف جنبي»؟!
وقتها قررت الأم أن الصبر لوحده ليس كافيًا لهذا كان وجودها بجوارالمحامية نهى الجندي في ساحة المحكمة، بعدما حكت لها القصة من بدايتها: طفل مريض بمرض وراثي، أب مقتدر وصاحب مصنع، انفصل وتخلّى ورفض الإنفاق، وأم بتحارب بمفردها المحامية رأت في القضية أكثر من نزاع أسري، شاهدت نموذجا واضحا لامتناع متعمّد عن تحمل المسئولية.
الحماية القانونية
هنا تقول المحامية نهى الجندي: «إن هذه النوعية من القضايا تمس جوهر فكرة الحماية القانونية للطفل، القانون المصري أتاح دعوى نفقة الأقارب لحماية غير القادرين على الكسب، خصوصًا الأطفال المرضى أو ذوي الإعاقات في حالة عمر، نحن أمام طفل حالته مثبتة بتقارير طبية رسمية، وأب ممتنع عن الإنفاق رغم ثبوت قدرته المادية وامتلاكه لمصدر دخل ثابت، هنا لا نتحدث عن فقر أو عجز، بل عن امتناع متعمد عن أداء واجب قانوني وأخلاقي، الهدف من الدعوى هو إلزام الأقارب القادرين بالمساهمة في نفقات العلاج والمعيشة، بما يضمن للطفل حدًا أدنى من الحياة الكريمة، ويؤكد أن المرض لا يجب أن يتحول إلى حكم بالإقصاء أو الإهمال».
بناءً على ذلك بدأت إجراءات رفع دعوى نفقة أقارب بمحكمة اسرة مدينة نصر مدعومة بتقارير طبية تثبت حالة عمر، وبما يثبت أن المرض وراثي من جهة عائلة الأب، وأيضا بما يثبت القدرة المادية للأب من خلال عمله وامتلاكه للمصنع. القضية دخلت مسارا طويلا من الجلسات والإجراءات، مثل كثير من القضايا التي تأخذ وقتًا من اجل الوصول لنتيجة، لكن هذه المرة كان في أمل حقيقي أن الحق ما يضيعش.
بالنسبة لعمر، الموضوع ليس مجرد قضية في المحكمة، هو أمل في حياة أقل قسوة كان يسمع أمه وهي بتحكي عن المواعيد والأوراق والانتظار في الممرات، ويسألها أحيانًا بصوت هادئ: «هو بابا ممكن يساعدني»؟، سؤال بسيط، لكن وراه سنين من الغياب والخذلان.
تضيف نهى الجندي: قصة عمر ليست حالة فردية هي نموذج لأطفال كثيرين يولدون بأمراض مزمنة، ويجدوا أنفسهم في مواجهة مزدوجة: مرض يأكل في أجسامهم، وتخلّي يكسّر في نفسيتهم، لذا نتمنى أن يصدر القانون الجديد وفيه حلول حاسمة لكل هذه المراوغات التي تأتي من بعض الرجال تجاه أولادهم في قضايا النفقة وحضانة الأطفال.
اقرأ أيضا: رئيس محكمة الأسرة سابقًا: القانون الجديد يضع مصلحة الطفل قبل الأم والأب
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







