من طهران وحتى بيروت مرورًا بقطاع غزة ، الشعار واحد ، والمطلب لايتغير ، نزع السلاح ، كأحد توابع حالة غير مسبوقة تمر بها منطقة الشرق الأوسط ، من الصراعات والحروب التى امتدت توابعها إلى العالم بأسره ، باعتباره حلًا للأزمة رغم أنه هدف إسرائيلى بامتياز ، مدعوماً بالطبع من واشنطن ، دون البحث العميق فى أسبابها ، والتفكير فى جذورها ، فالمهم هو أمن إسرائيل ، وليذهب العالم إلى الجحيم ، وعلينا قبل المناقشة الموضوعية لهذا الملف اللغم ، أن نتوقف عند بعض الحقائق، التى يحاول البعض إغفالها ، أهمها أن تل أبيب نجحت فى إحداث دمار واسع فى الساحات الثلاثة ، ولكنها أبداً لم تحقق نصرًا استراتيجيًا، يتيح لها فرض شروطها ، فالأرقام تكشف عن أن حصيلة عدوان إسرائيل على غزة ،منذ أكتوبر ٢٠٢٣ حوالى ٧٢ ألف شهيد ١٧٢ ألف جريح معظمهم من النساء والأطفال، ودمار لـ ٩٠ بالمائة من البنية التحتية للقطاع، فى لبنان هناك مأساة إنسانية تمثلت فى نزوح هناك حوالى مليون و٦٠٠ ألف شخص ، مع وجود مابين ٥٥ إلى ٦٠ قرية فى الجنوب سويت بالأرض، لمنع أهلها من العودة إليها، أما إيران فوفقاً للإحصاءات الرسمية، فإن التقييم الأولى لخسائر الحرب تصل إلى ٢٧٠ مليار دولار حتى الآن ، ومع كل ذلك تسعى إسرائيل بدعم وضغوط أمريكية، إلى تحقيق ماعجزت عنه بالحرب والعدوان ، وهذا هو قمة المفارقة والتناقض، ولعل الأمر يحتاج إلى مزيد من التفاصيل، عن كل ساحة من الثلاثة، وهى كالتالى:
الحالة الفلسطينية : فقد رحب الجميع بما فيهم المقاومة ، بخطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام،وإنهاء الحرب فى قطاع غزة فى ٢٩ سبتمبر الماضي، وكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتابع تنفيذ مراحلها، وتضغط على إسرائيل باتجاه ذلك ، ولكن الأوضاع على حالها ، والظروف لم تتغير، والعدوان اليومى مازال مستمراً ، وترفض استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولي، والتى تشمل استكمال الانسحابات، وإعادة فتح كافة المعابر خاصة رفح أمام الأفراد، والسماح بدخول كميات كافية من المساعدات والسلع التجارية، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة ، وهى هيئة فلسطينية ذات طابع تقنى من تولى إدارة القطاع والتى تم تعيينها ،من قبل الإدارة الأميركية، حيث لم تسمح لها تل أبيب ،مجرد الدخول للقطاع أو ممارسة عملها منذ تشكيلها منتصف يناير الماضى ، رغم ترحيب وتوفير الفصائل كل الاستعدادات اللوجستية والإدارية لنجاح مهمتها ، وأبدت استعدادها، لتسليم منظومة الحكم بجميع مكوناته ،وحتى تسليم أسلحة الشرطة والأمن التابع لها ، وهو قرار غاية فى الأهمية لأنها تتخلى بذلك عن كل دورها الإداري، بينما تصر إسرائيل على البدء بنزع سلاح المقاومة، وتسليم الثقيل منه، والمساعدة فى تدمير شبكة الأنفاق ، بدون أى تنفيذ صحيح لبنود استحقاقات المرحلة الأولي، والقفز إلى الثانية ، دون أن يكون هناك دور أمريكى فى الدفاع عن خطتها ، أو الضغط الحقيقى على إسرائيل، بل تقوم بتبنى مواقفها .
الحالة اللبنانية : لن أتوقف عند الجدل الدائر، حول هل يسلم حزب الله سلاحه أو يحتفظ به ؟ ، ولكنى سأعود لحقائق التاريخ ، لفهم الحاضر ، إن إسرائيل وليس غيرها هى سبب كوارث لبنان ، أطماعها فى الجنوب قديمة منذ عام ١٩٤٨، وقد تحدث عن ذلك، أول رئيس وزراء لها ديفيد بن جوريون، عندما حدد المنطقة بما فيها نهر الليطاني، كأرض يمكن الاستيلاء عليها، لتوسيع حدود الكيان الناشئ ، ونفذ الجيش الإسرائيلى قديماً لأول مرة مايقوم به الآن، بترسيخ واقع المنطقة العازلة ، فالفكرة ليست وليدة اليوم ، وطرحتها إسرائيل ونفذتها عام ١٩٨٢ ، وأقامت بالفعل شريطاً حدودياً بطول ٤٠ كيلو متراً، وقد تواضعت قليلاً ، بحكم الظروف ، لترسيخ منطقة عازلة ضمن الخط الأصفر، بعمق بين ٤ إلى ١٠ كيلو مترات، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، فهناك بُعد آخر مهم لمن يتباكون عن وجود حزب الله كقوة عسكرية خارج سيطرة الدولة، وهو أمر نرفضه جميعاً ، ولكن عليهم تنشيط ذاكرتهم، ليعرفوا بأن إسرائيل مَن كرست ودعمت هذا التوجه، لتحقق مصالحها ، فى سبعينيات القرن الماضي، وسمحت فى إنشاء ميليشيات عسكرية لحزب الكتائب والقوات اللبنانية، ، تحت أعينها ، باعتبارهم شركاء فى إدارة وتسيير الحكم فى لبنان، وتلطخت أيديهم بالدماء فى مذبحة صبرا وشاتيلا فى سبتمبر ١٩٨٢ ، والتى استمرت ثلاثة أيام ،وراح ضحيتها المئات، وترفعها بعض التقديرات إلى الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين ، بعد أن حاصرت فى العاشر من يونيو ١٩٨٢ العاصمة اللبنانية بيروت لمدة ٧٠ يوماً، كما سلمت الجنوب لجيش لبنان الحر بقيادة العميل اللبنانى سعد حداد ، وخلفه انطوان لحد، هذا فقط جزء يسير من تاريخ أسود لإسرائيل فى لبنان.
الحالة الإيرانية : حقيقة الأمر أننا أمام إشكالية كبيرة ، تكشف تناقضًا مرعبًا، فليس من المفهوم، إصرار واشنطن وتل أبيب على تمرير مطالبهما، التى تتجاوز العقل والمنطق ، وهى تفكيك البرنامج النووى ،ووقف العمل فى المنشآت الثلاثة، نطنز وبوردو واراك ،ووقف تخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون منه، إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنحها صلاحيات كاملة للمراقبة والوصول إلى هذه المنشآت، وتقيد برنامج الصواريخ من حيث المدى والعدد، وقصرها على الدفاع عن النفس، وفى نفس الوقت تتحدث وفقاً لتصريحات وتقارير رسمية عن خسائر إيرانية، قيل إنها وصلت لتدمير كامل للصواريخ الباليستية، ومنشآت إنتاجها ،واستهداف مواقع نووية حساسة ،وإخراج للقوات البحرية، والموانئ الحيوية من الخدمة ،ونفاذ حوالى نصف مخزون صواريخ الدفاع الجوي، مما أدى إلى شبه شلل لقدراتها العسكرية.
الهدف من ذلك واضح كله لا يخفى على أحد،ضمان أمن وسلامة إسرائيل وحمايتها، رغم أنها الوحيدة فى الشرق الأوسط، التى تمتلك بالفعل- ووفقاً لما هو معلن أسلحة نووية، بحوالى ٩٠ رأساً ، ومواد انشطارية تكفى لإنتاج مابين ١٠٠ إلى ٢٠٠ أخري، ولديها القدرة على استخدامها جواً عن طريق طائرات اف ١٥ ، وبحراً باستخدام الغواصات دولفين المزودة بصواريخ كروز، وعن طريق صواريخ باليستية من طراز جيريك .
وأخيراً، قولاً واحداً ،نعم نحن مع نزع السلاح، من طهران إلى بيروت مروراً بقطاع غزة، ولكن فى إطار مشروع سلام متكامل ، يضمن أمن كل دول المنطقة ، دون استثناء لكيان، يتحدث ليلاً نهاراً عن رسم خرائط جديدة، توسعية لتضم مناطق من دول أخرى، مع تنشيط المبادرة القديمة، والتى كانت مصر أول مَن طرحتها ، بجعلها خالية من السلاح النووى.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







