محمد ياسين
فى قلب بوابة مصر الشرقية ومع إشراقة ذكرى تحرير سيناء، تتبدل ملامح الأرض وتتغير لغة الخطاب؛ فبعد سنوات من معارك الشرف التى خاضتها الدولة المصرية ضد الإرهاب نيابة عن العالم، تحدث اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء، عن تدشين مرحلة جديدة عنوانها االاقتصاد والتنمية البشرية.. فى حوار اتسم بالشفافية والمكاشفة لـآخر ساعة يكشف المحافظ عن تفاصيل المخطط الاستراتيجى الذى حوّل سيناء من ساحة للقتال إلى خلية نحل تنموية، مدعومة باستثمارات حكومية تجاوزت الـ700 مليار جنيه، ورؤية رئاسية لا تكتفى ببناء الجدران، بل تضع بناء الإنسان السيناوى كرهان أول لضمان استقرار أرض الفيروز.
> دائماً ما نسمع عن االرؤية العلمية فى التعامل مع ملف شمال سيناء.. ما تفاصيل المخطط الاستراتيجى الذى تتبعه الدولة حالياً؟
- لابد أن ندرك أولاً أن شمال سيناء لها ظروف خاصة جداً؛ فهى بوابة مصر الشرقية التى خاضت أربع حروب نظامية وحرباً ضد الإرهاب استمرت 11 عاماً. لذا، فإن رؤية الدولة المصرية الحديثة لم تكن مجرد ضخ أموال، بل كانت رؤية علمية لتطوير المجتمع السيناوى ليواكب التهديدات الحالية والمستقبلية، واليوم نعتبر أن الاقتصاد هو تحدينا الأكبر، وهذه هى سياسة الدولة التى نطبقها على الأرض.
> تبذل الدولة جهودًا فى تطوير البنية التحتية تمهيدًا لتحقيق تنمية شاملة.. كيف تبدو الخريطة اللوجستية للمحافظة فى الوقت الحالى؟
- لا توجد تنمية بلا طرق ومنافذ، اليوم لدينا شبكة طرق عالمية وأنفاق تربطنا بالوادى، وأصبح لدينا ميناء العريش البحرى الذى تحول إلى ميناء دولى استقبل سفن المساعدات والوفود الدولية، بالإضافة إلى مطار العريش الدولى (25 كم٢) الذى يستقبل يومياً طائرات من مختلف دول العالم. والأهم هو عودة السكة الحديد لأول مرة منذ عام 1967، وهو ما يعنى أننا أصبحنا جاهزين تماماً للانطلاق الاقتصادى.
> إلى أى مدى أسهم مثلث التنمية فى سيناء فى دفع عجلة الاستثمار وتحقيق التنمية المتكاملة؟
- فى شمال سيناء، لا تقوم التنمية على جهود متفرقة، بل ترتكز على مثلث استراتيجى متكامل يشكّل أساس الانطلاق نحو واقع جديد أكثر استقراراً وازدهاراً.. الضلع الأول هو الاستثمارات الحكومية، والتى تجاوزت 700 مليار جنيه، وشملت تدخلات واسعة فى مختلف القطاعات، من تطوير شبكات الطرق والبنية التحتية، إلى إنشاء مشروعات خدمية وصحية وتعليمية، فضلًا عن تعزيز قدرات المرافق الأساسية، هذه الاستثمارات لم تكن مجرد أرقام، بل انعكست بشكل مباشر على تحسين جودة الحياة وتهيئة البيئة المناسبة لجذب مزيد من التنمية.
وتابع مجاور كلامه: أما الضلع الثانى، فهو القطاع الخاص، الذى يمثل شريكاً أساسياً فى استكمال مسيرة البناء، ولا يقتصر دوره على ضخ الاستثمارات، بل يمتد إلى تشغيل المشروعات، وخلق فرص عمل جديدة، والمساهمة فى سد الفجوات التنموية، إلى جانب إعادة ترتيب الأولويات وفق متطلبات السوق واحتياجات المواطنين، بما يضمن استدامة التنمية وعدم توقفها عند حدود الإنشاء.. ويبقى الضلع الثالث، وهو الأهم، التنمية البشرية، حيث لا قيمة حقيقية لأى مشروعات دون إنسان قادر على الاستفادة منها والمشاركة فى إدارتها، لذلك تركز الدولة على بناء الإنسان فى شمال سيناء من خلال تحسين مستوى التعليم، وتوفير الخدمات الصحية، ودعم برامج التدريب والتأهيل، بما يسهم فى خلق مجتمع مستقر، واعٍ، وقادر على حماية مكتسبات التنمية واستثمارها.
وأضاف: هذا التكامل بين الأضلاع الثلاثة يعكس رؤية شاملة، لا تستهدف فقط إعادة الإعمار، بل نسعـى إلى بنـــاء نمـــوذج تنموى متكامل فى شمال سيناء، يقوم على الإنسان أولاً، ويستثمر فى المكان، ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً.
وتستكمل الدولة حالياً حزمة من المشروعات التنموية فى مجالات الزراعة والصناعة باستثمارات ضخمة تهدف إلى جعل سيناء مركزاً لوجستياً عالمياً.
كما ركزت الدولة على البنية التحتية والربط من خلال إنشاء 5 أنفاق أسفل قناة السويس، وتطوير شبكة طرق بطول يتجاوز 3000 كيلو متر، بالإضافة إلى تطوير المطارات والموانئ مثل ميناء العريش.
كما استصلحت الدولة مئات الآلاف من الأفدنة، والاعتمـــاد على محطـات معالجــة المياه العملاقة مثل محطـــة بحــر البقــــر (الأكــــبر عالمياً) ومحـطـــة المحسمة.
وكذلك تعظــيم الاســـتفادة مـــن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتحـويلـهــــا إلى منطـقـــة جــــــذب للاستثمارات الأجنبية، مع التركيز على الصناعات التعدينية للاستفادة من ثروات سيناء الخام.
> مـا الأدوات الجــاذبـــة للمستثمرين فى سيناء؟
- مع انتهاء محطة المشروعات التنموية سوف تصبح أرضاً واعدة للاستثمار، من خلال خطوط سكك حديدية، ومطار العريش الدولى، الذى ظهرت أهميته فى استقبال مئات الطائرات التى تحمل المساعدات المتنوعة إلى قطاع غزة، وأيضاً تطوير ميناء العريش البحرى.
كما أن التطوير يشمل إنشاء شبكة طرق استراتيجية على أعلى مستوى بدأت من الجهة الشرقية لقناة السويس ووصولاً إلى مدينة رفح الحدودية مع قطاع غزة، لتكون محاور برية تخدم المواطنين وحركة التجارة من سيناء إلى الدلتا.
> تمثل التجمعات التنموية والزراعية كلمة السر فى استراتيجية الدولة لتعمير سيناء، فكيف تسهم هذه التجمعات فى تحقيق سياسة التوطين وربط المواطن بأرضه؟
- لم تعد التنمية فى سيناء مجرد شعارات، بل تحولت إلى واقع ملموس من خلال التجمعات التنموية، وهى أضخم مشروع تشهده مناطق وسط سيناء فى الحسنة ونخل ومناطق الشمال فى الشيخ زويد ورفح. وتهدف هذه المشروعات إلى الانتقال من مفهوم الإقامة إلى مفهوم الاستقرار والإنتاج، وذلك عبر نموذج المجتمع المتكامل بوسط سيناء، حيث تعتمد الدولة فى منطقتى الحسنة ونخل على استغلال مياه الآبار لإنشاء مجتمعات زراعية متكاملة. هذا النموذج لا يمنح المواطن منزلاً فحسب، بل يمنحه فرصة لبناء مستقبله، حيث تشتمل هذه التجمعات على صوب زراعية حديثة وزراعات مكشوفة للخضروات والفاكهة.
وفى إطار سياسة التوطين الشاملة، تنفذ الدولة مخططاً عمرانياً ضخماً لإنشاء 21 تجمعاً حضارياً، تستهدف استيعاب نحو 69 ألف نسمة، بمواصفات تراعى الطبيعة البدوية والاحتياجات العصرية، فى رفح والشيخ زويد والعريش.
وتضم هذه التجمعات فى مرحلتها الحالية نحو 17.4 ألف منزل بدوى، مزودة بكافة المرافق والخدمات (مدارس، مراكز صحية، مساجد، ومناطق ترفيهية)، مما يغلق تماماً ملف النزوح ويفتح باب العودة والاستقرار النهائى.
> كيف لمس المواطن السيناوى هذا التغيير على أرض الواقع؟
لأول مرة فى تاريخ المحافظة، لدينا أكثر من 222 منظمة عمل مجتمعى تعمل تحت مظلة وزارة التضامن وبإشراف كامل من الأجهزة المعنية، هدفنا الاستقرار المجتمعى للمواطن الذى تضرر من الإرهاب، ونتحرك عبر مؤسسات المجتمع المدنى وجامعاتنا والوزارات الخدمية (الشباب والرياضة، الأزهر، الأوقاف، التعليم العالى) لبناء الإنسان بالتوازى مع بناء الحجر.
وتكون المتابعة حاضرة بشكل دائم، وتُرسل النتائج يومياً بشكل رقمى، ورئيس الوزراء يتابع الملف أسبوعياً، بل إن الرئيس السيسى بنفسه يتدخل فى أدق التفاصيل مع الوزارات: االمدرسة دى خلصت؟ فاضل فيها كام؟ ليه اتأخرت؟ب. هذا الأسلوب الرئاسى فى المتابعة لا يترك مجالاً للتهاون، وهو ما يضمن وصول ثمار التنمية للمواطن بسرعة.
> ما فلسفتكم فى إدارة المحافظة، خاصة فى المناطق المنعزلة؟
- فلسفتى كسب ثقة المواطن حتى يشعر أن الدولة حاضرة، لذا أحرص كمحافظ على النزول ميدانياً مع مديرى المديريات إلى أبعد نقطة ومنطقة منعزلة، لنسمع مطالب الناس ونحققها فوراً، نحن نحتاج فى هذا التوقيت إلى تلاحم حقيقى بين الدولة والمواطن.
> فى ذكرى تحرير سيناء ما رسالتك للأجيال القادمة؟
- رسالتى للشباب والأجيال القادمة: اقرأوا التاريخ جيداً وادرسوا كيف طورت الدولة هذا المجتمع، أنتم الثمرة الحقيقية لهذه الجهود، وأنتم العامل المشترك الأكبر فى منظومة التطوير، وعليكم الحفاظ على ما تحقق بدمائنا وعرقنا.
«آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979
أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية
مصر تنتصر لـ«سلام القوة»







