لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء مُجرد خطاب احتفالى عابر، بل بدت كوثيقة سياسية جامعة، تختزل مسار دولة، وتعيد صياغة وعى أمة، وتبعث برسائل مُركبة للداخل المصرى فى لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. جاءت الكلمة مُحملة بدلالات عميقة، تتجاوز استدعاء الماضى المجيد إلى تثبيت مُعادلة الحاضر، واستشراف ملامح المُستقبل، فى ظل واقع مُضطرب تتشابك فيه الأزمات من كل اتجاه.
جاءت كلمات الرئيس لتؤكد أن السيادة ليست شعارًا، بل عقيدة راسخة، وأن التنمية ليست رفاهية، بل معركة لا تقل ضراوة عن معارك التحرير، وبين استدعاء روح أكتوبر، واستحضار ملحمة طابا، والإشارة إلى تحديات العقد الأخير، نسجت الكلمة خيطًا متماسكًا يربط بين الماضى والحاضر، ويضع الشعب المصرى أمام حقيقة واضحة وهى أن معركة البقاء والتقدم لا تزال مُستمرة، وأن الدولة اختارت طريقها ولن تحيد عنه. وقد عكست الكلمة رؤية مُتكاملة لبناء دولة حديثة، تقوم على أسس من السيادة والاستقرار والتنمية، غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب استمرار العمل والتضحيات فبناء الدول لا يتم فى سنوات قليلة، بل يحتاج إلى عقود من العمل المتواصل، وما تحقق حتى الآن يمثل خطوة مهمة فى هذا المسار.
فى صدارة الرسائل التى حملها الخطاب الرئاسى، جاء التأكيد القاطع بأن مصر لا تُفرط فى ذرة من ترابها، ويؤكد اللواء محمد صلاح أبو هميلة رئيس لجنة الشئون العربية بمجلس النواب، أن هذه العبارة تعكس ثوابت الدولة المصرية مُنذ فجر التاريخ، لكنها تكتسب أهمية مُضاعفة فى ظل ما تشهده المنطقة من صراعات على الأرض والهوية، مُشيرًا إلى أن الخطاب أعاد تثبيت مفهوم الدولة الوطنية فى مواجهة أطروحات التفكيك وإعادة التقسيم، مؤكدًا أن مصر تُقدم نموذجًا لدولة تعرف حدودها وتدافع عنها دون تردد. مُضيفًا أن الإشارة لعدم التفريط ليست مُجرد موقف عاطفى بل تعبير عن سياسة دولة مدعومة بقدرات عسكرية ودبلوماسية وقانونية، واصفًا الكلمة بأنها خطاب استراتيجى شامل يجمع بين استعراض ما تحقق من إنجازات ورسم ملامح المرحلة المُقبلة فى مواجهة التحديات الإقليمية المُحيطة، ومؤكدًا أن التأكيد على مكانة سيناء كبوابة حصينة يعكس إدراكًا عميقًا لأهميتها فى منظومة الأمن القومى، موضحًا أن كلمة الرئيس تُمثل رسالة طمأنة للشعب المصرى بشأن قدرة الدولة على حماية أمنها واستكمال مسيرة التنمية رغم التحديات.
وأضاف أن هذه الرسالة تحمل أيضًا بُعدًا ردعيًا لأى محاولات للتشكيك فى ثوابت الدولة، مُشيرًا إلى أن الشعب المصرى بات أكثر وعيًا بخطورة المساس بالأرض أو السيادة، وقال إن كلمة الرئيس اتسمت بالمُصارحة والشفافية فى عرض التحديات الاقتصادية وتأثير الأوضاع الإقليمية على الدولة، وهو ما يُعزز وعى المواطن بحجم التحديات التى تواجهها مصر.
فلسفة مُتكاملة
من بين أبرز ما ورد فى الكلمة، التأكيد على أن الحق لا يضيع مهما طال الزمن، وهى عبارة تحمل فى طياتها فلسفة مُتكاملة لإدارة الصراع، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا أو قانونيًا، وهى رسالة تعكس خبرة مصر التاريخية فى التعامل مع الأزمات الممُتدة، وهو ما يُفسره الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية، بأن الدولة المصرية لا تتعامل مع التحديات بمنطق رد الفعل، بل بمنهج استراتيجى طويل النفس، وهو ما ظهر فى استعادة طابا عبر التحكيم الدولى، وفى إدارة ملفات إقليمية مُعقدة، كما أن هذه الرسالة تحمل أيضًا أملًا للشعوب التى تعانى من الاحتلال، بأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تغيب، مُشددًا على أن كلمة الرئيس عكست بوضوح عقيدة الدولة الراسخة فى حماية الأرض وصون السيادة، بالتوازى مع المُضى قدمًا فى مسار البناء والتنمية، مُشيرًا إلى أن الخطاب جاء شاملًا، حيث لم يقتصر على استحضار لحظة تاريخية فارقة، بل قدم قراءة مُتكاملة لمسيرة الدولة من استرداد الأرض إلى تثبيت أركان الاستقرار والانطلاق نحو المُستقبل، كما أشار فرحات إلى أن تحرير سيناء لم يكن مُجرد إنجاز عسكرى أو دبلوماسى، بل كان تعبيرًا صادقًا عن إرادة وطنية صلبة، نجحت فى فرض مُعادلة واضحة قوامها أن الحقوق لا تُفرط وأن الحفاظ عليها يتطلب جاهزية مُستمرة ووعيًا مُجتمعيًا مُتماسكًا، وتأكيد الرئيس على تضحيات القوات المُسلحة والشرطة يعكس تقدير الدولة العميق لمؤسساتها الوطنية، ويُجسد إدراكًا لحجم ما قدمه أبناء الوطن من بطولات فى سبيل حماية أمنه واستقراره.
وعن تناول الرئيس للتحديات الاقتصادية نتيجة الأحداث الإقليمية والدولية، قال فرحات إن ذلك يعكس شفافية الطرح وواقعية الرؤية، مُشيرًا إلى أن الدولة المصرية تعاملت مع هذه التحديات بمنهج مُتوازن يجمع بين الحفاظ على الاستقرار الداخلى ومواصلة تنفيذ خطط التنمية، وهذا التوازن يُمثل أحد أهم عوامل صمود الدولة وقدرتها على تجاوز الأزمات فى ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. مُضيفًا أن الربط الذى طرحه الرئيس بين معركة التحرير ومعركة البناء والتنمية يعكس رؤية استراتيجية عميقة، مفادها أن حماية الوطن لا تكتمل إلا بتعميره وتحقيق تنمية شاملة ومُستدامة، مُشددًا على أن الكلمة حملت رسائل طمأنة وثقة فى قدرة الدولة والمُجتمع على الاستمرار فى مسار التقدم، داعيًا إلى تعزيز روح التكاتف الوطنى والعمل المُشترك، باعتبارهما الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار وبناء مُستقبل أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.
الهوية المصرية
عسكريًا، ركز الخطاب بشكل لافت على سيناء، ليس فقط باعتبارها أرضًا تم تحريرها، بل كجزء أصيل من الهوية المصرية، وجاءت الرسالة واضحة بأن سيناء ليست وطنًا بديلًا، ولن تكون إلا مصرية، كما لم يغفل الخطاب توجيه التحية للقوات المسلحة، مؤكدًا دورها التاريخى فى تحرير الأرض وحمايتها، ووجه الرئيس التحية إلى الزعيم الراحل محمد أنور السادات، باعتباره صاحب رؤية السلام، فى إشارة تعكس تقدير الدولة للرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، ولم تغب ملحمة استعادة طابا عن الخطاب، حيث تم توجيه التحية للفريق القانونى المصرى، وهو ما اعتبره اللواء أركان حرب الدكتور إبراهيم عثمان الخبير العسكرى نموذجًا فريدًا فى استرداد الحقوق عبر القانون الدولى، مؤكدًا أن الاحتفال بذكرى تحرير سيناء يأتى فى توقيت بالغ الأهمية فى ظل التحديات الإقليمية الراهنة. مُشددًا على أن هذا اليوم ليس يومًا عاديًا، بل رمز لتضحيات الشعب والجيش، وقدرة الدولة المصرية على عدم التفريط فى شبر من أرضها، وأن استعادة سيناء عكست تكامل أدوات القوة المصرية، من العسكرية إلى الدبلوماسية وصولًا للتحكيم الدولى.
وأوضح عثمان أن مصر قدمت نموذجًا فريدًا فى إدارة الصراع، حيث انتقلت من استخدام القوة العسكرية إلى الحلول الدبلوماسية والقانونية، حتى تم رفع العلم المصرى على طابا 1989، مؤكدًا أن هذا المسار يعكس قدرة الدولة على تحقيق أهدافها بكافة الوسائل المشروعة والمُتكاملة، مُشيرًا إلى أن سيناء تُمثل مفتاح الأمن القومى المصرى، موضحًا أن الدولة تبنت استراتيجية قائمة على توحيد كل قواها فى اتجاه واحد لتحقيق التنمية الشاملة، بما يواجه التهديدات المُباشرة وغير المُباشرة، كما أن حجم الاستثمارات فى سيناء بلغ نحو تريليون جنيه، شملت قطاعات السياحة والزراعة والصناعة، وقال إن الدولة نجحت فى تحويل سيناء من ساحة صراع لنموذج للتنمية، من خلال استغلال مواردها الطبيعية مثل الرخام والرمال البيضاء، إلى جانب إنشاء مشروعات صناعية وتنموية كبرى، مؤكدًا أن التنمية المُستدامة أصبحت أحد أهم أدوات تعزيز الأمن والاستقرار فى المنطقة، وشدد على أن الجيش المصرى يُمثل ركيزة أساسية فى معادلة الأمن القومى، مُشيرًا إلى أن قدراته تطورت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بما يُمكنه من مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وجاءت رسالة الرئيس لتؤكد أن أى مساس بمصر سيُقابل برد حاسم، وهو ما يُعزز من استقرار المنطقة ككل. وعن استدعاء تجربة السادات قال إنها تحمل رسالة مفادها أن مصر كانت دائمًا سباقة فى طرح حلول سياسية للصراعات، حتى وإن لم تلقَ القبول فى وقتها، وما تشهده المنطقة اليوم يثبت أن الرؤية المصرية كانت أكثر واقعية من غيرها، مُختتمًا بأن مصر فى ملحمة استرداد طابا قدمت درسًا عالميًا فى كيفية استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية لاستعادة الحقوق، دون اللجوء للقوة العسكرية، وهو ما يُعزز من مكانة مصر الدولية.
معركة البناء
انتقل الخطاب من استدعاء الماضى إلى الحديث عن الحاضر، مؤكدًا أن معركة البناء لا تقل أهمية عن معركة التحرير، ويُجمع خُبراء الاقتصاد على أن هذه الرسالة تعكس إصرار الدولة على المُضى قُدمًا رغم التحديات، أن مصر واجهت خلال العقد الأخير سلسلة من الأزمات العالمية غير المسبوقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بأزمات الطاقة والغذاء، مؤكدين أن استمرار مشروعات التنمية فى ظل هذه الظروف يعكس إرادة سياسية قوية. ويُشير هُنا الدكتور محمد الشوادفى الخبير الاقتصادى، إلى أن خسائر قناة السويس نتيجة التوترات فى البحر الأحمر، تؤكد تأثر مصر بالتطورات الدولية، غير أن الدولة اتخذت إجراءات مُتعددة للتعامل مع هذه التحديات، من بينها تنويع مصادر الدخل وتعزيز الإنتاج المحلى، مُشددًا على أن عيد تحرير سيناء لم يكن مُجرد انتصار عسكرى أو سياسى أو دبلوماسى، بل كان نقطة انطلاق نحو تحقيق نهضة اقتصادية شاملة فى مصر، التى تمكنت من تحويل هذه اللحظة التاريخية لذكرى خالدة ومسار تنموى يعزز الاقتصاد الوطنى.
كما لفت إلى أن الخطاب لم يتجاهل الضغوط التى يواجهها المواطن، بل أكد إدراك الدولة لها وسعيها لتخفيفها بما يعكس شفافية فى التعامل مع الواقع. مؤكدًا أن الاعتراف بالتحديات يُمثل خطوة مُهمة فى بناء الثقة بين الدولة والمواطن، والإجراءات الاقتصادية الأخيرة تهدف لتحقيق توازن بين الإصلاح والحماية الاجتماعية.
اقرأ أيضا: صور| الرئيس السيسي يقدم العزاء إلى الدكتور مصطفى مدبولي وأسرته لوفاة والده
«آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979
أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية
اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء: زمن الإرهاب انتهى.. ونخوض معركة العبور الاقتصادى







