تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات سياسية متسارعة، إذ أصبحت التكنولوجيا هي التي تتحكم في طبيعة الصراعات المعاصرة.
وهنا تبرز الطائرات المسيرة، كأحد أبرز أدوات هذا التحول، حيث فرضت نفسها كعنصر حاسم في المعادلات العسكرية، لا سيما في النزاعات التي تشهد تفاوتًا تقليديًا في القدرات بين الأطراف.
اقرأ أيضا| سيناء تنتصر.. كيف استعادت مصر روايتها التاريخية في أرض الفيروز؟

وتكشف تقارير، أن هذه الأنظمة الذكية لم تعد تقتصر على المهام الاستطلاعية، بل تحولت إلى وسيلة استراتيجية تمنح الأطراف الأقل تسليحًا قدرة على إعادة التوازن في ساحة المعركة، هذا التحول يعكس انتقالًا تدريجيًا تتداخل فيه التكنولوجيا منخفضة التكلفة مع الحسابات الجيوسياسية.

أداة ضغط سياسي
امتلاك القدرة على إنتاج أو تشغيل الطائرات المسيرة، لم يعد حكرًا على الدول الكبرى، بل بات في متناول قوى إقليمية ودول نامية، ما يفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ العسكري بشكل غير مسبوق، لذلك تتحول المسيرات إلى أداة ضغط سياسي، فضلا عن أن الاعتماد المتزايد على هذه التقنيات يعكس تحولًا في فلسفة إدارة الصراع، من الحروب التقليدية عالية التكلفة إلى نماذج أكثر مرونة تعتمد على الاستنزاف الذكي، وتوظيف المعلومات الدقيقة، وتقليل الخسائر البشرية.
اقرأ أيضًا| الطائرات المُسيّرة تعيد تشكيل موازين الحرب الحديثة وتقلّص كلفة المعارك

وكشف تقرير نشرته فضائية "إكسترا نيوز"، أن هذه الأنظمة الذكية لم تعد مجرد وسيلة تكميلية، بل تحولت إلى أداة حاسمة لتغيير قواعد اللعبة لصالح الأطراف الأقل تسليحاً.
ووفقاً لما رصده مركز التحليلات الدفاعية، فإن الدرونز توفر قدرات هائلة على الإنذار المبكر ورصد الهجمات الوشيكة قبل وقوعها، مما يمنح القوات المدافعة أفضلية استراتيجية في التمركز والرد.
تفوق تكتيكي يوازي قدرات الطائرات المقاتلة التقليدية
تتميز الطائرات دون طيار بقدرتها الفريدة على جمع المعلومات الاستخباراتية، وتوجيه الضربات الجوية بدقة متناهية، خاصة في البيئات الحضرية والوعرة التي يصعب الوصول إليها تقليدياً، فضلا عن أن الاعتماد على هذه التقنيات ساهم في تطوير تكتيكات فعالة لتعزيز الدفاعات الجوية وحماية الحدود من التهديدات غير التقليدية.
وحسب التقرير، تمثل هذه المسيرات مراقباً لا ينام، حيث يتم نشرها عبر منصات إطلاق متنوعة "برية، بحرية، أو جوية" لتغطية مساحات واسعة بمرونة عالية، كما أن الدمج بين التكنولوجيا الرقمية والقوة النارية، قد أدى إلى ظهور نمط جديد من الحروب يتسم بالسرعة والدقة وتجنب الخسائر في الأرواح، مما يجعلها الخيار الأول في منظومات الدفاع الحديثة.
وفي تحليل للصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، كشف اللواء دكتور وائل ربيع، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية والخبير في الأمن الإقليمي المصري، عن قدرة طائرات الدرونز على منح الدول الصغيرة تفوقاً تكتيكياً يوازي قدرات الطائرات المقاتلة التقليدية، موضحًا أن هذه التقنية تتيح مواجهة ترسانات عسكرية كبرى بتكلفة اقتصادية منخفضة وفعالية ميدانية عالية.
اللواء دكتور وائل ربيع، أشار إلى أن أسعار الطائرات المسيرة، تبدأ من 3500 دولار وتصل إلى 50 مليون دولار، ويرتبط هذا التفاوت بنوعية المواد المستخدمة في تصنيع الهيكل، مثل الكربون أو التنجستين، مقارنة بالألمنيوم الصلب، كما تلعب دقة أجهزة الرصد، وكاميرات التصوير، ونوعية السلاح المحمول دوراً رئيساً في تحديد القيمة السوقية والقدرة القتالية للمسيرة.
مواجهة الجيل الجديد من الحروب
وفقا للواء وائل ربيع، فإن الدول تعتمد حالياً على الدرونز لتنفيذ تكتيكات معينة، أبرزها مشاغلة أنظمة الرادار، فمن خلال إطلاق مسيرات ذات تكلفة زهيدة، يتم استنزاف الدفاعات الجوية وتغطية الرادارات بعمليات مشاغلة عنيفة، مما يمهد الطريق للصواريخ لضرب أهدافها بدقة خلف هذا الستار.
وأشار إلى أن المسيرات الانتحارية أو تلك المزودة بصواريخ أحدثت فارقاً في ميزان القوى، وتبلغ تكلفة طائرة بيرقدار التركية نحو 5 ملايين دولار، بينما تصل تكلفة إم كيو 9 إلى 50 مليون دولار، هذا التباين يسمح للدول الأقل إمكانيات بتصنيع أعداد كبيرة من المسيرات القادرة على تدمير أهداف عالية التقنية عبر أجهزة تلتقط إشارات الرادار، وتحدد الإحداثيات في ثوانٍ معدودة.
جيل جديد من الحروب
في السياق ذاته، أكد العميد دكتور طارق العكاري، المتخصص في الشأن الاستراتيجي والاقتصادي العسكري، أن مواجهة الجيل الجديد من الحروب لم تعد تقتصر على امتلاك أنظمة دفاعية متطورة، بل تتطلب تحولاً جذرياً نحو توطين صناعة المسيرات محلياً لضمان السيادة الأمنية وتخفيف الأعباء المالية الضخمة.
العميد العكاري، كشف في تصريحاته على فضائية إكسترا نيوز، أن الاعتماد على شراء الأنظمة الجاهزة يواجه عقبة المرونة العملياتية، مشيرًا إلى أن دمج أنظمة شرقية مع أخرى غربية أو محلية الصنع داخل غرف العمليات ليس أمراً بسيطاً، نظراً لتعقيد الخوارزميات والبرمجيات التي تدير هذه المنظومات، مما يجعل التصنيع المحلي ضرورة تقنية قبل أن تكون اقتصادية.
الريادة القادمة للدول القادرة على إنتاج الدرونات
الخبير المتخصص في الشأن الاستراتيجي والاقتصادي العسكري، كشف عن تطور مفهوم درون مقابل درون "Drone to Drone" كحل فعال لمواجهة الصواريخ العنقودية والأسراب الانتحارية، موضحًا أن هذه الاستراتيجية تعتمد على إطلاق أسراب دفاعية لاعتراض الموجات الانفجارية في الجو ومنع وصولها إلى عمق الدولة، وهو ما يتطلب قدرة عالية على التحكم عبر الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الذاتية.
وفي ظل استحواذ الولايات المتحدة على نحو 47% من سوق السلاح، توقع "العكاري" تراجع الاعتماد الكلي على الأنظمة التقليدية المكلفة مثل باتريوت وثاد لصالح تقنيات منخفضة التكلفة "Low-cost leadership"، مؤكدًا أن الريادة القادمة ستكون للدول القادرة على إنتاج الدرونات بكميات ضخمة وتكلفة زهيدة، مع تطوير أسلحة الطاقة الموجهة مثل المايكروويف عالي الطاقة الذي يحرق التهديدات الجوية لحظياً.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







