تقف دول الشرق الأوسط على حافة أحد المراحل الجديدة التى تجاوزت الأزمة العابرة فى لحظة غير مسبوقة ارتفع فيها مستوى التوتر وتداخلت فيها المسارات لتلامس ملامح تحول فى طبيعة النظام الدولي، حيث إن التصعيد المتدرج بين الولايات المتحدة وإيران يُجسد صراعا مُركبا لإعادة توزيع النفوذ الذى يدخل فى دوائره الأمنية والسياسية والاقتصادية كل من الصين وروسيا.
وفى حوار لـ «الأخبار» أكد لواء أ. ح د. إبراهيم عثمان هلال الخبير الاستراتيجى ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقاً أن إقليم الشرق الأوسط أمام نموذج إدارة الصراع وليس حل الصراع حيث الولايات المتحدة تريد احتواء إيران وطهران تريد تطبيق مبدأ الندية وكسر الهيمنة دون حرب، والصين وروسيا تريدان إطالة التوتر دون انفجار ، فالخطر الحقيقى يكمن فى أى خطأ تكتيكى يفجر مواجهة واسعة، فالإقليم لا يشهد أزمة عابرة، بل يمر بمرحلة انتقالية تعيد تعريف قواعد التفاعل بين القوى، وتفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين النفوذ على المستويين الإقليمى والدولي.
3 سيناريوهات مستقبلية للمواجهة.. وإسرائيل المستفيد الأول
الشرق الأوسط أصبح ساحة خلفية لتصفية الحسابات
■ فى البداية نريد معرفة ما الذى تملكه إيران من أسلحة وأوراق ردع حقيقية تجعلها تتفاوض من نقطة قوة؟
تعتمد إيران على الردع غير التقليدى ( الصواريخ و« المسيّرات » والوكلاء بالمنطقة)... فالقوة الصاروخية الإيرانية ( الفرط صوتية -الباليستية - الكروز ) قادرة على استهداف القواعد والتموضعات الأمريكية والموانئ والعمق الإسرائيلى مع الطائرات المسيّرة بالقدرة على إغراق الدفاعات المعادية بعدد كبير، فضلاً عن حرب المضايق بقدرتها على تعطيل مضيق هرمز سواء باستخدام الألغام البحرية أو الزوارق الانتحارية أو الصواريخ الساحلية أو من خلال شبكة الوكلاء كأخطر أدوات الردع وتنوع موقعها الجغرافى ( حزب الله فى لبنان ، الفصائل العراقية الموالية ،الحوثيون فى اليمن ) بفتح جبهات متعددة .. مع عدم استبعاد أن اقتراب إيران من العتبة النووية دون الإعلان يخلق حالة من الردع بالشك.
■ ما مدى استفادة الصين وروسيا من استمرار التوتر؟
تسعى الصين إلى استنزاف النفوذ الأمريكى بشكل عام ومحاولة تثبيت نفسها كوسيط عالمى مع شراء النفط من أسطول الظل بأسعار مُخفضة ، فضلاً عن توسيع مشروع مبادرة الحزام والطريق .. وعلى الجانب الآخر نجد روسيا المستفيد الأكبر من رفع أسعار الطاقة خاصة مع السماح ببيع النفط الروسى، بالإضافة إلى تشتيت القرار الأمريكى من ناحية وقرار الدول الأوروبية تجاه أوكرانيا من ناحية أخرى، مع العمل على تعزيز نفوذها فى سوريا وإيران .
وبالتالى فإن تورط الولايات المتحدة فى حروب بالمنطقة يُعد أكبر هدية استراتيجية مجانية لكل من بكين وموسكو.
■ هل قد يتحول الصراع إلى تنافس دولى أوسع؟
الصراعات القائمة تحولت بالفعل لتنافس بين القوى ولكن بشكل غير مباشر ، حيث إن الشرق الأوسط أصبح ساحة اختبار للنظام الدولى الجديد والصين ورسيا تتابع وتترقب للتدخل فى الوقت المناسب طبقاً لتقدير موقفهم ونتائج أدوات التنافس عبر ( الوكلاء - الاقتصاد- التكنولوجيا... ) .
■ كيف تؤثر الحسابات الأمريكية الداخلية على القرار الأمريكى؟
يُعد اقتراب نهاية مهلة الرئيس ترامب « 60 يوما « فى اتخاذ قراراته دون تدخل من الكونجرس أحد الضغوط الداخلية على القيادة الأمريكية ، فضلاً عن وجود بعض الانقسامات السياسية الداخلية تجاه الحرب وهو ما يقلل فرص الحرب الشاملة ويزيد احتمالات الضربات المحدودة .
■ وما السيناريوهات المُحتملة؟
السيناريو الأول : الاستمرارية، فى حالة اللا سلم واللا حرب بالتهدئة المؤقتة مع اتفاق مرحلى وذلك فى ظل الوساطات الجارية رغبة فى خفض التصعيد .
السيناريو الثانى : تصعيد محدود، بضربات مُتبادلة محدودة قد يعقبها اتفاق مرحلى .
السيناريو الثالث : انفجار الموقف إما بخطأ فى تقدير الموقف لأحد الأطراف أو إقدام الولايات المتحدة على تنفيذ ضربة أمريكية مركزة ( مغامرة برية أو استخدام أسلحة التدمير الشامل ) .. هذا السيناريو حالة نجاحه سيتم فرض شروط الولايات المتحدة على إيران، وحالة عدم نجاحه ستتحول المنطقة لحرب شاملة تستخدم فيها إيران كل امكانياتها وأذرعها ضد القواعد والأهداف الأمريكية خاصة فى دول الخليج وضد المدن الإسرائيلية.
■ وما الخطوط الحمراء لأطراف الصراع؟
بالنسبة لإيران ( برنامج الصواريخ وتدمير البرنامج النووى بالكامل ) .
بالنسبة للولايات المتحدة ( قتل أعداد كبيرة من الجنود ، إغلاق مضيق هرمز بالكامل ) .
بالنسبة لإسرائيل ( حصول إيران على سلاح نووى واستهداف المنشآت النووية الإسرائيلية ) .
■ من المستفيد الأكبر من استمرار التوتر؟
بالطبع الصين وروسيا وشركات الطاقة العالمية .
■ هل هناك أطراف تدفع لإطالة الأزمة؟
نعم ولكن بشكل غير مباشر لأن بعض القوى ترى أن استمرار التوتر أفضل من الحسم وخاصة شركات الصناعات العسكرية .
■ وكيف يؤثر الصراع على التحالفات؟
الصراع الراهن قد يؤدى إلى تراجع الثقة فى الحماية الأمريكية وصعود أدوار لكل من الصين وروسيا دولياً وبعض القوى الإقليمية .
■ وهل تستفيد قوى إقليمية من حالة «لا حرب ولا سلم»؟
لا أحد فى المنطقة مستفيد بخلاف إسرائيل .
■ إلى أى مدى تستفيد الصين اقتصادياً؟
الصين تحاول تحقيق أكبر استفادة سواء بتراجع نفوذ الولايات المتحدة أو من خلال تأمين الحصول على الطاقة بأسعار منخفضة فضلاً عن توسيع نفوذها السياسى والتجارى وإضعاف الدولار نسبياً .
■ هل تستغل بكين الصراع لتعزيز نفوذها؟
نعم من خلال «الوساطة بين القوى المتصارعة «.. وهى تفسح لنفسها موطئ قدم فى منطقة الشرق الأوسط، ولكنها حريصة كل الحرص على عدم التدخل العسكري.
■ ما دور الصين هل وسيط أم مستفيد؟
الصين تحقق الدور المزدوج كوسيط بالقوة الناعمة وكمستفيد استراتيجى .
■ هل يمكن أن تصبح الصين ضامناً لأى اتفاق مُرتقب؟
أعتقد أنه احتمال دون المتوسط، وإن تم لابد أن يسبقه تراجع للثقة فى واشنطن وقبول الأطراف بدور غير غربى فى الاتفاق.
■ كيف توظف روسيا الصراع لحسابها ؟
تحاول روسيا توظيف الموقف كأداة ضغط على الدول الأوروبية وكجزء من إعادة تشكيل النظام الدولى مع تقديم الدعم غير المباشر لإيران .
■ هل تستفيد موسكو من ارتفاع أسعار الطاقة؟
نعم تستفيد بشكل مباشر سواء فى زيادة الإيرادات النفطية أو من تقليل أثر العقوبات عليها .
■ هل تقدم روسيا دعمًا غير مباشر لإيران؟
نعم من خلال المعلومات الاستخباراتية والدعم السياسى وبعض أنواع التعاون العسكرى .
■ وهل الملف الإيرانى ورقة تفاوض روسية؟
بالتأكيد يُستخدم فى ملف أوكرانيا وملف العقوبات وأيضاً فى التوازن مع واشنطن .
■ وما التحدى الحقيقى لمصر من هذا الصراع سياسياً؟
التحدى الحقيقى بالنسبة لمصر يتمثل فى القدرة على الانتقال من موقع المتأثر بتداعيات الصراع إلى موقع الفاعل القادر على توجيه بعض مساراته أو على الأقل تحييد آثاره السلبية.
وفى النهاية أود أن أؤكد أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد تجاوز المواجهة الثنائية ليتحول إلى بنية تفاعلية متعددة المستويات، تتداخل فيها حسابات الفاعلين الدوليين والإقليميين وتتشابك فيه أدوات الردع التقليدى وغير التقليدى لحالة توازن غير مستقر قابل للانزلاق فى أى لحظة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







