إذا بنيت تنبؤًا ما على معطى ما فإنه من السهولة بمكان أن يحدث عارض ينسف النظرية جلها ويقلبها رأسًا على عقب
لا ينفك الأصدقاء والمقربون والعارفون والجاهلون يسألوننى-كأننى أعرف- سؤالًا واحدًا: الحرب هاتخلص امتى؟ وأنا لا أغير الإجابة: أى حرب؟!
لم تعجب الإجابة واحدًا من الذين يسألون، لا لشىء سوى لأنها لم تلبِ شهوة «الفتى» لدى أحدهم، أما عنى فلم أعد أكترث مَن يسأل أو عن ماذا، وأعجب جدًا فى سرى من نفسى ولا أفهم متى تغيرت أنا!
سابقًا كنت كأننى أنتظر ربع فرصة ليسألنى واحد أى سؤال وفى أى موضوع كان، لا يهم فأنا رجل موسوعى وحاضر الذهن وسريع البديهة ويقظ.. هكذا كنت أظن نفسى، وكان « الفتى» موضة شائعة حينها، والحق أن الاجتهاد ساعتها كان ممكنًا إذ إن لكل توقع دلالات يمكن السير على خطاها وتشبيكها واتباع مساراتها وبسهولة تستطيع تقديم نتائج مبدئية تقترب للواقعية، إذا وُفقت فالحمد لله ربنا ستر، وتستطيع الاحتفاظ بقيمتك كمؤصل وخبير، أما إذا حادت النتائج عن التوقع يكون ذلك بهامش بسيط من عدم التوفيق، وساعتها يمكن التصرف بنفس الذكاء واللطف واللباقة وطولة البال.
ثم إن هذه اللعبة للرد على السؤال بسؤال آخر، هدفها توسيع رقعة السؤال تخلق مساحة أكبر لكشف السائل إذا كان مثقفًا محتارًا يبحث عما بداخل العقول فعلًا أو جاهل يحب ترتيب الكلام!
صرت استخدمها لما تأكدت من أن الذى يسأل هو نفسه يبدو كأنه تغير فلم يعد يطرح أسئلة للحصول على إجابات مقنعة أو أقرب للواقعية لكنه ربما اعتاد طرحها فقط، كأن الأسئلة-مستعملة من قبل- نفسها باتت تلقى بلا شغف، والمسائل كلها تحدث من باب الاعتياد.
ثم عنى.. بت أجد رد السؤال بآخر أوسع منه يقتل ملل الحوار دون طلقة واحدة، فإذا كنت عزيزى السائل تسأل بلا شغف لمجرد حشو الوقت بشىء يبدو مهمًا فأنا أيضًا لم أعد شغوفًا بأهمية أى شىء ولا بطرح الرؤى ووجهات النظر هكذا على الطاولة.
ثم إن المجريات صارت أسرع من الخيال وانحرافاتها مذهلة، حيث اللا حدود، فإذا بنيت تنبؤًا ما على معطى ما فإنه من السهولة بمكان أن يحدث عارض ينسف النظرية جلها ويقلبها رأسًا على عقب، وإذا لم يحدث شىء فإن الركود وحده كفيل بإماتة الأمر وخنق التوقع وسحق سمعتك كخبير يتم الرجوع إليه.
ولا أخفيك وهذا اعتراف لم أصارح به سوى نفسى فقط سأقدمه لك بلا مقابل، فى الفترة الأخيرة وما قبلها بقليل فشلت عشرات المرات فى تقديم قراءة أو استنباط لأى شىء يحدث لا فى مجالى ولا أى مجال آخر، فابتدعت هذه الحيلة، تعرف!
من مميزات هذه الطريقة أيضًا أنها لا ترميك خارج المشهد تمامًا لئلا تُنسى، ولا تجعلك عُرضة لكل من هب ودب يستهلكك فى سين وجيم وكلام مرسل، وتضمن لك مساحة بينية بين هذا وذاك، كما أن هذا الأسلوب يحتفظ لك بقدر من التفرد والحرية، إذ يمكنك المشاركة وقتما تشاء والصمت أينما رغبت.
أضف إلى السابق كله أن الوضع الآن قد تبدل بالكلية، ولم تعد القضايا مفهومة لأى إنسان، فكلما بنيت نبوءات أو تنبؤات يأتى حدث عارض ليغيرها فورًا أو ينسفها من الأساس وتهتز صورتى فى مجتمع يقدس العرافين والمتنبئين وأشباه الدجالين.
القارئ الصبور، السالف كله ليس إلا جزءًا صغيرًا من وصايا خبير قديم أهلكنا واستهلكنا على شاشات التلفاز والهاتف وعلى صفحات الجرائد وروابط المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعى ومحطات الراديو وكل نافذة استطاع النفاذ عبرها إلينا نحن المستهلكين، يمكنك أن تستهلكها هى الأخرى الآن أو تحتفظ بها حتى يحين حينها، إذ لا تاريخ صلاحية واضحًا مطبوعًا عليها.
ثم أردف الخبير.. عزيزى السائل هذه ليست نصائح لأننى كم أكره النصيحة، لكن هل ما زلت تنتظر إجابة لسؤالك متى تنتهى الحرب؟ سألنى الخبير.
فأجبته: أى حرب؟!

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







