«إعادة الاستقرار إلى الشرق الأوسط» مهمة عسيرة ومعقدة فى ظل تصاعد التوترات فى المنطقة، لكن مصر وتركيا والسعودية وباكستان أخذت على عاتقها تلك المهمة لما لها من مسئولية كدول رئيسية فى معادلة الأمن الإقليمى.
ورغم وقف إطلاق النار فى إيران، إلا أن الدول الأربع تواصل تحركاتها للتنسيق بشأن الأوضاع فى الشرق الأوسط، وكان آخرها اجتماع وزراء خارجية مصر وتركيا وباكستان والسعودية قبل أسبوع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسى فى تركيا، ليكون الاجتماع الثالث من نوعه خلال أقل من شهر، فى وتيرة لفتت أنظار المراقبين فى المنطقة والعالم.
التنسيق الذى لم تعلن أطرافه عن طابع مؤسسى يحكمه، تراوحت التقديرات بشأنه بين تحالف دائم أو تقارب مؤقت، لكن عنوان تلك التحركات أياً كان هدفها يبقى «الضرورة»، حيث جاءت فى وقت كان الشرق الأوسط يتعرض لأكبر تهديد لأمنه الجماعى منذ عقود، مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى 28 فبراير الماضى، والتى مثلت زلزالًا يهدد أمن الشرق الأوسط، بما خلفته من تداعيات بقصف دول الخليج من جانب إيران، بالإضافة إلى تدخل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران فى العراق ولبنان واليمن، وهو ما هدد بتوسيع دائرة الصراع المسلح فى الإقليم.
الحرب التى كشفت مرة أخرى سعى إسرائيل لفرض هيمنتها على الإقليم بالقوة، مستندة إلى دعم غير محدود من الإدارة الأمريكية، دفعت الدول الرئيسية فى المنطقة إلى استشعار الخطر، خاصة أن الخصم فى تلك الحرب كانت دولة أخرى عملت على فرض هيمنتها، هى إيران التى تغلغل نفوذها الإقليمى خلال العقود الأربعة الأخيرة فى لبنان والعراق واليمن وسوريا، واعتبرتها دول أخرى تهديدًا لسيادتها الوطنية.
لذا، كانت معادلة الصراع الإسرائيلى الإيرانى فى المنطقة خصمًا من رصيد استقرار الشرق الأوسط وتهديدًا لمصالح الدول الكبرى إقليميًا، وهو ما ظهر بوضوح فى الشهرين الأخيرين بعد اندلاع الحرب فى إيران.
استشعار الخطر من استمرار حالة عدم الاستقرار فى المنطقة دفع وزير الخارجية د. بدر عبدالعاطى، فى الأيام الأولى للحرب، إلى الدعوة للتوافق على ترتيبات إقليمية وأمنية عقب انتهاء الحرب، وترجمت تلك الدعوة فى الاجتماع الذى عقد فى الرياض فى 18 مارس الماضى وضم وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان، والذى جاء فى سياق جهود نقل الرسائل والوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وواصل الوزراء الأربعة تلك الجهود فى اجتماعهم فى إسلام آباد فى 29 مارس، حيث بحثوا تكثيف العمل على خفض التصعيد واحتواء التوتر، وتشجيع تدشين مسار تفاوضى بين الولايات المتحدة وإيران لتحقيق التهدئة وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى حالة من الفوضى الشاملة.
لكن الرؤية لأهداف الآلية الرباعية كانت أبعد من إطفاء نيران الحرب، حيث أكد الوزير عبدالعاطى خلال اجتماع إسلام آباد أهمية العمل مستقبلًا على دراسة وضع ترتيبات إقليمية شاملة تعزز مفهوم الأمن الجماعى، باعتبارها ضرورة استراتيجية ملحة لمواجهة التحديات غير المسبوقة التى تستهدف سيادة الدول بالمنطقة ووحدة وسلامة أراضيها.
وواصلت الدول الأربع اجتماعاتها التنسيقية فى منتصف إبريل الجارى، حيث بحث كبار مسئولى وزارات الخارجية فى إسلام آباد تحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة استنادًا إلى مبادئ احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، وحق الشعوب فى تقرير مصيرها.
ورغم شح المعلومات التى تخرج عن تفاصيل الاجتماعات، وآخرها فى أنطاليا فى 18 إبريل الجارى، إلا أن دوافع الدول الأربع لاستمرار آلية التعاون الرباعى تبدو واضحة، فمن ناحية تهدد التوترات المتصاعدة فى العامين الأخيرين المصالح الاقتصادية لكل منهم، إذ عانت مصر لعامين من تداعيات توترات الأمن البحرى وإغلاق مضيق باب المندب بسبب ضربات الحوثيين المرتبطين بإيران، كما يؤثر إغلاق مضيق هرمز على صادرات النفط السعودى، فيما تتضرر باكستان من أى تداعيات اقتصادية سلبية على دول الخليج، الداعم الأول للاقتصاد الباكستانى، كذلك تعرقل التوترات الأمنية الاقتصاد التركى صاحب الاستثمارات الكبرى فى دول الإقليم.
وتحمل قدرات الدول الأربع آفاقًا واسعة للتكامل، حيث تمتلك تركيا قاعدة صناعية ضخمة مع ملاءة مالية سعودية كبيرة تضاف إلى قدرات عسكرية نووية لدى باكستان وتكمل قدرات مصر البشرية وخبراتها العسكرية مربع التكامل الذى لديه القدرة على خلق تأثير وازن فى معادلة المنطقة، إذا استمرت إرادة كل منهم للتنسيق فى الإطار الرباعى.
ومع استبعاد كثير من المراقبين تحول التنسيق الرباعى إلى تحالف موجه ضد أطراف أخرى، تبقى الاحتمالات مفتوحة أمام صيغة جديدة من التعاون بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان، قد لا تحكمها القوالب المعروفة فى عالم السياسة، لكنها تبقى ضرورية لكل بلد منهم للتعامل مع حالة السيولة التى يعيشها الشرق الأوسط، وتزايد الاضطرابات والصراعات التى تبدو كرمال متحركة تهدد مصالح كل دول الإقليم، وتزيد من مسئولية الدول الأربع الكبرى تجاه العمل على استعادة الاستقرار فى الشرق الأوسط.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







