حريات

الإبادة التعليمية

رفعت رشاد
رفعت رشاد


شهد التاريخ أصنافا من الاستعمار والاحتلال والقهر والظلم والتعذيب، لكنه لم يشهد مثل إسرائيل. يتفنن بنو صهيون ويبدعون فى ابتكار الأساليب القاهرة للفلسطينيين، سواء كان ذلك فى حياتهم العادية أو فى السجون. آخر الإبداعات الصهيونية، حرمان الطلاب الفلسطينيين من وجود ظروف مناسبة لأداء امتحاناتهم. لا مدارس، لا فصول، لا مقاعد.

يجلس الطلاب على الأرض تحوطهم الأسلاك الشائكة، ويتنمر عليهم المستوطنون. يجلسون متوترين متحسبين ومتوقعين أى سلوك عدوانى من هؤلاء.

رغم أن المشهد الفلسطينى مثقل بالدم والدمار، إلا أن هناك وجهًا آخر، قد يكون أقل صخبا، لكنه أشد وطأة. عندما يفترش طالب الأرض قرب الأسلاك الشائكة ليؤدى امتحانا، فهو لا يحدد مستقبله فحسب، بل يثبت حقه فى الوجود. كان يفترض أن يكون الامتحان فى فصل نابض بالحياة، فإذا به فى فضاء مكشوف، تراقبه أعين جنود الاحتلال، ويتنمر عليه مستوطنون اغتصبوا وطنه.

لم يعد الأمر انقطاعا عابرا عن الدراسة، بل سياسة ممنهجة تعرف بالإبادة التعليمية، تصفها تقارير أممية بأنها هجوم على الماضى والحاضر والمستقبل معا. فى غزة تحولت الجامعات إلى رماد، وفى الضفة الغربية لم تسلم الجامعات من الاقتحامات المتكررة والعنف ضد الطلاب والمدرسين حتى أثناء الامتحانات، بما يقوض أبسط مقومات العملية التعليمية.

القضية أبعد من تدمير مبان أو تعطيل دروس، إنها اقتلاع جيل كامل من سياقه المعرفى. استهداف الطلبة والأكاديميين، وسقوط آلاف الضحايا، ليس خسارة بشرية فحسب، بل استنزاف متعمد للعقول التى كان يفترض أن تبنى المستقبل.

لطالما سعت قوى الاحتلال إلى محو هوية الشعوب عبر ضرب التعليم. من سياسات التجهيل فى أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى نظم الفصل العنصرى التى قيدت المعرفة ووجهتها لخدمة الهيمنة، يتكرر النمط ذاته، السيطرة على العقول الطريق الأقصَر للسيطرة على المصير.
إن استمرار هذه الجريمة لا يهدد حاضر الفلسطينيين فحسب، بل ينذر بمستقبل تستبدل فيه المعرفة بالغضب، حين تُقصف المدارس ويُخذل طلابها، لا يكون الفشل لطالب فى امتحان، بل سقوط الإنسانية فى امتحان الضمير.