على مر العصور، ظلت سيناء رمزاً لصمود الشعب المصري وتمسكه بتلك الأرض المباركة.. اليوم سيناء تكتب فصلاً جديداً هو الأكثر تحدياً في تاريخها ؛ فصلاً لا تعلو فيه أصوات المدافع، وطلقات الرصاص بل ضجيج الماكينات وهتاف البناء. وإذا كانت سيناء قد شهدت أربع حروب نظامية دفاعاً عن الأرض، ثم واجهت أعتى موجات الإرهاب على مدار 11 عاماً لكسر شوكته وتطهير ترابها، فإنها تخوض هذه الأيام «المعركة الأصعب» من أى حروبٍ أو إرهاب مر عليها وهى معركة البناء والتنمية.
هى «المعركة الأصعب» لأنها لا تواجه عدواً ظاهراً، بل تصارع الزمن والجغرافيا والاقتصاد لتغيير وجه الأرض.. هي «المعركة الأصعب» لأنها حرب بقاء واستدامة ، فبينما تنتهي الحروب العسكرية بوقف إطلاق النار أو القضاء على الإرهاب، فإن معركة التنمية لا تعرف التوقف وتظل مستمرة، حيث تقتحم الدولة بها وعورة الأرض وصعوبة التضاريس وتغيير أفكار المواطنين وتوطين الصناعة لتزرع الحياة في قلب الصحراء، محولةً كل مشروع قومي إلى ركيزة أمنية لا تقل أهمية عن خنادق الدفاع، لتثبت أن التعمير هو السلاح الأقوى لفرض السيادة الكاملة وحماية تراب الوطن.
إن الاحتفاء بذكرى 25 أبريل هذا العام لا يقتصر على استعادة ذكريات البطولة والتضحية التي سطرها أبطال القوات المسلحة وأبناء سيناء، ولا يتوقف عند حدود التفاوض السياسي الذي استرد الأرض، بل يمتد ليشهد على عبور ثانٍ نحو «الجمهورية الجديدة» .
لقد أدركت الدولة المصرية أن الأمن الحقيقي لايتحقق فقط بحماية الحدود، بل بالتنمية الشاملة التي تجعل من سيناء مقصداً للاستثمار، ومنارة للثقافة، ومقصداً يستوعب أحلام الشباب المصري. ونحن نحتفي بعيد التحرير، لابد أن ندرك أن صون الأمانة يتطلب منا الاستمرار في هذا المسار التنموي، لتظل سيناء دائماً حصناً منيعاً، وجوهرةً في تاج الدولة المصرية. وعلى صفحات هذا الملحق نحتفى بالذكرى الغالية ونسلط الضوء على ملامح هذا التحول الجذري، ونرصد ملحمة التعمير وكيف أصبحت سيناء حجر الزاوية في رؤية مصر 2030.
لم تكن معركة تطهير سيناء التى خاضتها الدولة المصرية على مدار أحد عشر عاماً مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت «معركة وجود» صاغت ملامح الجمهورية الجديدة التى نحيا أيامها اليوم.
فبينما كان العالم يرقب بقلق تمدد التنظيمات الإرهابية فى المنطقة بعد ثورة 2011، كانت القاهرة تضع حجر الأساس لاستراتيجية «المواجهة الشاملة»، وهى الاستراتيجية التى لم تكتفِ بدحر سلاح الإرهاب، بل استهدفت تجفيف منابع الفكر والتمويل معًا.
تأتى الذكرى الرابعة والأربعون لتحرير سيناء هذا العام مُحملة بدلالاتٍ استثنائية؛ فهى ليست مجرد احتفاء بجلاء المحتل الأجنبى فقط ، بل هى احتفال بـ «التحرير الثاني» للأرض من براثن إرهاب أسود.
واجهته سيناء طوال عقد من الزمان، ولولا تضحيات أبطال القوات المسلحة والشرطة المدنية وأبناء سيناء الشرفاء، ولولا دماء الشهداء التى روت الرمال، لما استعادت الدولة سيادتها الكاملة على كل شبر من ترابها الوطني.
لقد أدركت القيادة المصرية منذ عام 2014 أن الإرهاب هو «مرض عالمي» لا يُهزم بالسلاح وحده.
لذا، انطلقت مبادرات الرئيس عبدالفتاح السيسى لتصويب الخطاب الدينى وتفكيك الأيديولوجيات المتطرفة وتوجيه الدولة لأن يكون مسار مواجهة الإرهاب بالتزامن مع مسار التنمية وتغيير الفكر المتطرف ومبادرات مجتمعية، ويرصد التاريخ أن عام 2015 كان المحطة الأصعب حيث واجه أبطال مصر فى مثلث الإرهاب بسيناء أكثر من 594 عملية إرهابية ..
وبلغت ذروتها فى هجمات الشيخ زويد ومسجد الروضة. لكن «العملية الشاملة سيناء 2018» كانت نقطة التحول الاستراتيجى التى أنهت المرتكزات الجغرافية للإرهاب. واليوم، وبعد وصول معدلات العمليات الإرهابية إلى المستوى الصفرى، لم يعد الحديث فى سيناء عن قتلى وتفجيرات، بل أصبح عن «تنمية وتعمير وبناء»، لتثبت الدولة المصرية أن من استطاع تطهير الأرض، هو الأقدر على زراعتها بمستقبل يليق بتضحيات أبنائها وبتضحيات أبطال خاضوا معارك لا تُنسى من أجل تلك اللحظة التى نحتفل بها اليوم.
إنفوجراف| رئيس الوزراء: التحول إلى الدعم النقدى العام المالى المقبل
وزير الخارجية يدعو اليابان لإنشاء منطقة صناعية بـ «اقتصادية القناة»
كجوك: ثقة المستثمرين تتزايد.. وصالح: أجندة عملية لمعالجة التحديات







