هناك فرق بين زيارتين لي لشرم الشيخ ، منذ حوالي ٤٤ عاما ، بينهما اسابيع ، الاولي تحت الاحتلال الاسرائيلي ، والثانية مع رفع العلم المصري علي المدينة، البون كبير ، شاسع، وهذا ماكتبته يومها عن مشاعر الفرحة.
كان فضل الله علئ كبيرا، ليس في حياتي فقط ، ولكن في مسيرتي الصحفيه ، ففي البدايات اختارني الراحل الكبير محمد وجدي قنديل رئيس تحرير مجلة آخر ساعة ، محررا عسكريًا لها في عام ١٩٨٠ ، وكانت فرصة صحفية ليست بالهينه ، فانت امام تغطية شبه يومية لاحداث كبيرة ، متعددة الجوانب لنشاطات اهم مؤسسة من مؤسسات الدولة، بعد رئاسة الجمهورية ،هي (عمود الخيمة ) لمصر ، وصاحبة ادوار محورية في التاريخ المعاصر ، انغمست سريعا في العمل ، لتغطية احداث مختلفة ، مناورات عسكرية واسعة وفقا لبرنامج التدريب المحدد من قبل القيادة ، للحفاظ علي المستوي القتالي ، بدء دخول صفقات عسكرية جديدة للخدمة ، اتذكر منها اف - ٥ ، وطائرات النقل سي ١٣٠ ، زيارات خارجية، ومنها معرض للسلاح المصري في دولة الامارات ، ومشاركة القوات المصرية في حماية امن الخليج ، في يناير ١٩٩١ ، لتغطية الدور المصري في عملية عاصفة الصحراء وتحرير الكويت ،ومن قبلها باشهر زيارة للشارقة في دولة الامارات ، لتفقد احوال القوات المصرية هناك، التي ذهبت لحماية اهداف حيوية فيها ، بناء علي طلب الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان ، وموافقة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك ، كما رشحني الراحل جلال عيسي رئيس تحرير المجلة في ذلك الوقت ، للالتحاق بالدورة ٢٤ كلية الدفاع الوطني اكاديمية ناصر العسكرية، والتي انتهت في يونيو عام ١٩٩٥ ،وكانت فرصة عظيمة لدراسة برنامج موسع لمدة عام كامل ، حول ابعاد الامن القومي المصري ،بمشاركة ممثلين من كافة اجهزة الدولة ووزارتها ومؤسساتها ، وحصلت علي تكريم خاص من الراحل المشير محمد حسين طنطاوي ، لحصول بحثي النهائي، ضمن الخمس الاوائل ، شعرت يومها بقرار شخصي ان زمالة كلية الدفاع، تمثل افضل نهاية لمسيرة العمل كمحرر عسكري ، بعد اكثر من ربع قرنٍ .
البدايات
وقد يكون احتفالنا كشعب ودولة ، بالذكري ال ٤٤ علي تحرير سيناء في ابريل ١٩٨٢ ،وانسحاب اسرائيل من شمال سيناء وجنوبها، مناسبة للعودة بالذاكرة ،الي مشاركتي صحفيا في متابعة تلك الفترة، خاصة مرحلة ماقبل الانسحاب، فلم انسي ابدا معايشتي لفترة مابعد نكسة ١٩٦٧ ، واحساسي بالمرارة والحزن رغم ان عمري وقتها لم يتجاوز العاشرة ، وعظمة الشعب المصري في رفض الهزيمة ، وبدء الجيش المصري احد اهم مراحل استرداد الكرامة ، وانجازاته المشهودة في حرب الاستنزاف ، حتي وصلنا الي المرحلة الفارقة في التاريخ المصري، نصر اكتوبر العظيم ،وكنت في الصف الثاني من المرحلة الثانوية.
الذي اعادنا لنا الاحساس بالفخر والعزة والكرامة، واخذت الامور مسارا مختلفًا بعد سنوات قليلة من حرب اكتوبر العظيم، ضاعت في مماطلات اسرائيل وهروبها من استحقاقات السلام ، حيث قرر الرئيس الاسبق انور السادات امام مجلس الشعب في نوفمبر ١٩٧٧ ، استعداده لزيارة اسرائيل للاسراع بتحقيق تقدم في مسيرة السلام ، وبعدها باقل من اسبوعين كان السادات يتحدث في الكنيست الاسرائيلي، ولم يكن الوصول الى اتفاق السلام التي تم التوقيع عليها بالبيت الابيض في مارس ١٩٧٩ (سهلا ولا ميسورا ) فدائما المفاوضات مع الطرف الاسرائيلي شاقة ، ومعقدة ، ومطالبهم لاتنتهي ، مع حرص علي رفع سقفها ، وقد استغرق الامر اشهر حتي تم توقيع اتفاق اطاري للسلام في سبتمبر، في منتجع كامب ديفيد سبتمبر من نفس العام .
زيارة تحت الاحتلال
ومن التغطيات التي افخر بها، زيارة قمت بها،ضمن وفد من المحررين العسكريين ، قبل اسابيع من موعد رفع العلم المصري علي مدينة شرم الشيخ، نظمتها واشرفت عليها ادارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة، في اطار اجواء رغبة اسرائيل في ابداء حسن النوايا، والتأكيد علي التزامها بجدول الانسحاب ،وان كان لها هدف خبيث لم يخفي علي احد، وهي سعيها لابراز دورها في تغيير وجه الحياة في المناطق التي احتلتها منذ يونيو ١٩٦٧ ، يومها كتبت في تغطيتي المنشورة في مجلة اخر ساعة ( امتلات عيناي بالدموع مرتين اثناء زيارتي، الاولي عندما مست قدمي ارض سيناء، بعد هبوطنا مباشرة من علي متن الطائرة المصرية سي ١٣٠ في مطار الجورة ، الذي سيصبح مقر عمليات قوات المتعددة الجنسيات، كان في ذلك الوقت مقر متقدم للقوات الجوية الاسرائيلية، مجهز بممرات تسمح بكل انواع الطيران من الاقلاع والهبوط ، مع خمس مباني للقيادة والعمل والمعيشة ، كنت امام لحظة فارقة سمحت لي كصحفي ان تحتضن عيناي اماكن، شغلت تفكير كل المصريين منذ عدوان ١٩٦٧ ، وغياب سيناء مؤقتا عن حضن الوطن ، المرة الثانية عندما احتضنتي سيدة عجوز من البدو، جاوز عمرها الثمانين عاما بقوة، عندما تعرفت علي مصريتنا، وفوجئت بانها تحسب الايام الباقية علي ٢٥ ابريل يوم التحرير الكامل، احاول ان افيق من مشاعر فرحة جارفة، وان ارصد جغرافية المكان، التي دفعنا فيها الالاف من الأرواح الطاهرة عبر الزمان، فكم عاني المصريون من اجل الوصول الي لحظة التحرير، وكيف عاش الملايين منهم الحلم، الذي يقترب الي تحوله الي واقع حقيقي ملموس، مشاعر اللحظة اكبر من كل كلام، مع اقتراب نهاية كابوس يجسم فوق صدورنا جميعا، آن له ان ينزاح، ان ينتهي والي غير رجعة، والي الابد ، فهي لاتحسب بالليالي والساعات، بل بالدقائق والثواني، ، عيوني تبحث عن اهالي سيناء من المصريين في كل مكان ، هؤلاء الابطال الذين تحملوا الالام الفراق عن الوطن منذ احتلاها في يونيو ١٩٦٧ ،وعانوا من ظلم الاحتلال وعجرفته، ومشاريعه التي تصور، انها تضمن له البقاء، ولكن هيهات ،فقد ضاع الحلم مع عبور اول جندي مصري قناة السويس، ظهر السادس من اكتوبر ١٩٧٣ .
خبث اسرائيلي
وكان من المفهوم حرص الاسرائيلين علي هبوط الطائرة في مطار ايلات، حيث حاول مرافقنا ترويج المكان، كما لو كانت المدينة قطعة من اوربا، قبلة للسائحين، لم نغادر الاتوبيس كتعليمات المرافقين، توقفنا فقط عن الفندق الشهير، بطوابقه الثمانية وغرفه ال ١٥٠ ،وكان جزء من الخلاف حول طابا، حيث حاولت اسرائيل زحزحة الحدود ٦٠٠ متر، لتدخل الفندق ضمن حدودها ،سالت مرافقنا الكولونيل يهودا بروات المتحدث الرسمي، نائب رئيس اللجنة المشتركة ، وهو بالمناسبة مولود في السكاكيني، وقضي جزء من طفولته فيها ،قبل ان يغادرها مع اسرته مهاجرا الي اسرائيل، عن طبيعة الخلاف حول منطقة طابا، فرد بلغة عربية سليمة، مشيرا الي ان كافة نقاط الخلاف قابلة ومطروحة للنقاش، تفادي ورواغ في تقديم اجابة محددة وواضحة .
زادت عدد الاتوبيسات ووصلت الي ثلاثة، حيث انضم اليها بعض المراسلين الاجانب والاسرائيليين، مع ممثلين عن جيش الدفاع والخارجية والسياحة، وكذلك عدد من الاعلاميين الاسرائليين، يومها اقتربت مني صحفية منهم ، عرفت منها انها زارت مصر ١٤ مرة، منذ اتفاقية السلام ،ومع ذلك ناقشتي في غياب التواصل علي المستوي الشعبي المصري، فكانت اجابتي هل وجدت صعوبة في الحصول علي تأشيرة ؟ هل طالبتي لقاء مسئول ولم يستجب ؟ فاجبت بالنفي ، واضافت ولكن نقابة الصحفيين لا ترحب بنا ولاتقدم لنا اي تسهيلات، فكانت اجابتي حاضرة، التسهيلات للاعلام الاجنبي يتم عبر الهيئة العامة للاستعلامات، والنقابة لاعلاقة لها بهذا الامر، وهي (تجمع مهني ) يحكمه قرار من اعضاء الجمعية العمومية لها، يجرم التطبيع ويسقط عضويتها عن من يثبت قيامه به، الجمتها الاجابة فسكتت .
توقفنا في نويبع، وسكانها اعداد محدودة من البدو المصريين، يسكنون في منطقة محدودة امام قرية سياحية، اقامتها اسرائيل، اشتكي لنا صاحبها وهو شاب يهودي من اصل روماني ، من تضرره شخصيا من الانسحاب، خاصة وانه مطلوب منه اخلائها، بعد رفض طلبه بالبقاء، مع اصرار مصري علي تسليم الأرض خاليه من اي مباني ، او القبول بالتعويض علي تديرها شركة مصرية بعد الانسحاب، ابتسمت وشعرت بالفخر ، فنحن لانريد اي اثر لهم ، في دهب اخترقت الحصار المفروض علي الوفد، بعد ان شاهدت تجمعا من المصريين خارج اسوار منطقة وجودنا ،فقررت المجازفة دون ان يعترضني ايا من المرافقين والتقيت مع عدد منهم، محمد عواد وزياد والحاج عودة سالم ، الذي احتضنني طويلا ،ولمعت في عيوننا الدموع، وجميعهم بلسان واحد( نحن ننتظر ابريل بفارغ الصبر، نريد ان نري اخوانا المصريين، الذي غابوا عنا طويلا) ، بعد ان وجهنا صعوبات شديدة ومعاملة سيئة والتي تغيرت الي حد ما بعد اتفاقية السلام،) وصلنا الي شرم الشيخ كما خطط المشرفين علي الزيارة ليلا، وكلما اقتربنا من المدينة، زاد حجم التواجد العسكري، حيث استخدمتها اسرائيل كقاعدة، ومقر لقواتها العسكرية منذ عام ١٩٦٨ ،واطلقت عليها (عوافيرا ) وهو اسم ذكر في التوراة ، يعتقد اليهود انها مليئة بالذهب والخيرات والموارد الطبيعية، وفي طريق العودة استمعنا من مرافقينا المصريين، عن استعدادات كل الاجهزة المعنية لبداية العمل في المناطق المحررة، في الساعة الاولي لانسحاب القوات الاسرائيلية.
شرم من جديد
كان علي ان اختار ، مكان تغطيتي لفعاليات الانسحاب الاسرائيلي من سيناء يوم ٢٥ ابريل ١٩٨٢ ، بين الشمال في العريش، ورفح او في الجنوب ، حيث مدينة شرم الشيخ ، لم اتردد لحظه، في الاختيار ،لنفس المكان الذي اعود عليه بعد حوالي شهرين ، الفرحة كانت فرحتين ، في الزيارة الاولي كان في استقبالنا رجال الجيش الاسرائيلي والخارجية يتقدمهم يهودا بروات ،واليوم ،في انتظارنا محافظ جنوب سيناء واحد ابطال حرب اكتوبر العظيمة، اللواء فؤاد عزيز غالي ، بالامس كان الاسرائيليون يختالون بانجازاتهم ، واليوم ظهروا علي حقيقتهم ، وجوه قبيحة ، مجرد همج ، الة هدم وتخريب، سرقوا كل شئ ، حطموا كل شئ ، افسد الجنود بشكل متعمد كل شئ ، تم بناؤه قبل تسليمه للقيادة المصرية، حتي خزانات المياه، واجهزة التكييف، المباني فقط من خرجت من مخطط التدمير بسب بنائها الخرساني ،دخلنا شرم الشيخ منذ شهرين ليلا، وامامنا دوريات من جيش الدفاع الاسرائيلي ، واليوم في وضح النهار ، بعد غاب اي اثر لهم ،ذهبنا الي ساحة الاحتفال، مظاهر بسيطة، واستعدادات محدودة ، ولكن معناه كبير ، ارتفع العلم المصري يعانق السماء، وسط هتافات مدوية من الحاضرين ( عاشت مصر حره ، عاشت سيناء حره )، الدموع في عيون الجميع ، اثناء عزف السلام الوطني، ويردد الجميع( بلادي بلادي) ، رفع العلم لم يستغرق دقائق ، ولكن كم شاب من شباب مصر، استشهدوا من اجل هذه اللحظة ، كم من التضحيات بذلت من اجل هذا الهدف ، انها لحظة لا يدرك معناها سوي من ضحي من اجلها، او علي الاقل من شهدها رؤية العين ، تعانق الجميع فرحا دون سابق معرفة ، فيكفي ان الكل مصري ، سالت يومها المحافظ اللواء فؤاد عزيز غالي عن شعوره، قال لي يومها كانت امنيتي ان اشارك في استعادة جزء من الاراضي المصرية المحتله بعد ٦٧ ، فكنت احد الجنود الذين شاركوا في العبور فكيف تكون مشاعري، وانا ارفع علم بلادي ) وتوقف عن الكلام ، وقال ( اترك الاجابة لك )
يومها تذكرت مقولة موشي ديان وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق والاشهر ( نحن نفضل شرم الشيخ دون سلام ، علي السلام بدون شرم الشيخ )، وهاهي تعود- وان شاء الله الي الابد -رغم انف الجميع .

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







