عاد ملف قانون الأحوال الشخصية إلى الساحة، خاصة مع مناقشات متجددة داخل مجلس النواب حول تعديلات طال انتظارها، وسط حالة من الجدل المجتمعي بين مؤيد يرى فيها إنصافًا، ومعارض يخشى من تداعياتها.
في هذا التحقيق، نقترب من كواليس البرلمان، ونستعرض رؤى النواب حول أسباب تأخر القانون، كما ننقل وجهة نظر عضوات المجلس القومي للمرأة بشأن أبرز البنود المثيرة للجدل، مزيد من التفاصيل فى السطور التالية.
بداية تحدثنا مع النائبة هالة أبو السعد عضو مجلس النواب التي قالت: «مقترحات تعديل قانون الأحوال الشخصية تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق قدر أكبر من التوازن داخل الأسرة المصرية، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى قدر من الدقة في الصياغة وضمانات حقيقية على مستوى التطبيق.
وتوضح أن فلسفة القانون يجب أن تقوم على تحقيق العدالة بين جميع الأطراف، دون الانحياز لطرف على حساب الآخر، حيث أننا أمام قانون شديد الحساسية، لأنه ينظم العلاقات داخل الأسرة، وبالتالي أي خلل في التوازن قد يؤدي إلى مشكلات اجتماعية أعمق بدلًا من حلها.
وفيما يتعلق ببند الاستضافة، ترى من حيث المبدأ أنه يعزز دور الأب في حياة أبنائه، لكنه يتطلب وضع ضوابط واضحة تحكمه، لضمان عدم تحوله إلى أداة للصراع بين الزوجين، مؤكدة أهمية مراعاة مصلحة الطفل في المقام الأول.
وضرورة تطوير آليات تنفيذ أحكام النفقة، لافتة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في القدرة على تطبيقها بشكل سريع وعادل، بما يضمن حقوق المرأة والأطفال دون إطالة أمد التقاضي.
وأضافت؛ أن التعديلات يجب أن تأخذ في الاعتبار المتغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري، مؤكدة أهمية الاستماع إلى مختلف الآراء، سواء من الجهات التشريعية أو المجالس القومية أو الخبراء، للوصول إلى قانون متوازن وقابل للتطبيق.
وفى النهاية أكدت على أن الهدف النهائي من القانون هو الحفاظ على استقرار الأسرة، باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع، مشددة على أن أي تشريع في هذا الملف يجب أن يضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.
لماذا التأخير؟!
النائب د.إيهاب رمزي عضو مجلس النواب يرى أن تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية، رغم أهميته الملحة، لا يمكن اختزاله في كونه تعطيل تشريعي، بل هو انعكاس مباشر لحجم التعقيد الذي يحمله هذا الملف، باعتباره أحد أكثر القوانين ارتباطًا بحياة المواطنين اليومية، ويؤكد أن البرلمان تعامل مع مشروع القانون بمنتهى الحذر، نظرًا لما يتضمنه من نقاط شديدة الحساسية تمس العلاقة بين الزوجين وحقوق الأطفال، وهو ما استلزم وقتًا أطول للوصول إلى صيغة متوازنة.
ويشير إلى أن أحد أبرز أسباب التأخير يتمثل في تضارب الرؤى بين الجهات المختلفة، سواء داخل البرلمان أو خارجه، حيث تعددت المقترحات بين من يطالب بتوسيع حقوق الأب، خاصة فيما يتعلق بالاستضافة، ومن يتمسك بالحفاظ على الوضع الحالي لضمان استقرار الطفل.
ويضيف؛ أن هذه الخلافات لم تكن شكلية، بل امتدت إلى تفاصيل دقيقة، تتعلق بآليات التنفيذ والضمانات القانونية، وهو ما تطلب إعادة دراسة أكثر من مسودة للوصول إلى صيغة توافقية.
وفيما يتعلق بالمقترحات المثيرة للجدل يؤكد؛ أن بعض البنود، وعلى رأسها الاستضافة وسن الحضانة، تمثل تحديًا حقيقيًا أمام المشرّع، لأنها ترتبط بتوازن دقيق بين الحقوق والواجبات، ويرى أن الاستضافة قد تكون خطوة إيجابية إذا تم تنظيمها بشكل قانوني صارم، يضمن عدم إساءة استخدامها، ويحقق في الوقت نفسه تواصلًا حقيقيًا بين الأب وأبنائه، دون الإضرار بالاستقرار النفسي للطفل.
أما فيما يخص سن الحضانة، فيشير إلى أن النقاش لا يدور حول تقليله أو الإبقاء عليه فقط، بل حول كيفية تحقيق مشاركة متوازنة في تربية الطفل، بما يضمن عدم إقصاء أي طرف, ويشدد على أن المعيار الحاكم في كل هذه النقاط يجب أن يكون مصلحة الطفل، التي لا تتحقق فقط من خلال الاستقرار، بل أيضًا من خلال وجود علاقة صحية ومتوازنة مع كلا الوالدين.
وفى النهاية أكد على أن إصدار قانون الأحوال الشخصية يجب أن يتم في إطار رؤية شاملة، لا تقتصر على حل المشكلات الحالية، بل تسعى إلى منع أزمات مستقبلية، مؤكدًا أن التسرع في إصدار القانون قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما حرص البرلمان على تجنبه، حتى لو تطلب ذلك مزيدًا من الوقت.
نتعامل مع الأسرة
الدكتورة عبلة الهواري عضو مجلس النواب قالت: إن تأخر إصدار قانون الأحوال الشخصية يعكس إدراكًا حقيقيًا لخطورة هذا الملف، وليس غيابًا للرغبة في حسمه، مشيرة إلى أن القانون يتعامل مع بنية الأسرة المصرية، التي شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما فرض ضرورة إعادة النظر في كثير من المفاهيم التقليدية قبل إقرار أي تعديلات.
وتوضح أن أحد الأسباب الرئيسية للتأخير يتمثل في محاولة الوصول إلى توازن دقيق بين حقوق المرأة والرجل، دون الإخلال بمصلحة الطفل، التي يجب أن تظل في صدارة أولويات أي تشريع، وتضيف أن النقاشات لم تقتصر على البرلمان فقط، بل شملت خبراء في علم النفس والاجتماع، إلى جانب مؤسسات معنية بشئون الأسرة، وهو ماأسهم في إطالة أمد المناقشات، لكنه في المقابل يضمن خروج قانون أكثر نضجًا.
وفيما يتعلق بالمقترحات المثيرة للجدل، تشير إلى أن بند الاستضافة يثير مخاوف مشروعة، خاصة في ظل وجود حالات نزاع حاد بين الزوجين، قد تجعل من تطبيقه أمرًا محفوفًا بالمخاطر إذا لم ينظم بشكل دقيق. وترى أن الاستضافة يمكن أن تكون مقبولة في إطار محدد، يضمن أمان الطفل، ويمنع استغلالها كوسيلة للضغط أو الانتقام.
أما فيما يخص سن الحضانة، فتميل إلى الإبقاء عليه كما هو، خاصة في المراحل العمرية المبكرة، مؤكدة أن الطفل في هذه السن يحتاج إلى قدر كبير من الاستقرار والرعاية المباشرة، وهو ما لا يجب المجازفة به تحت أي ظرف، وتشدد على أن أي تعديل في هذا الإطار يجب أن يستند إلى دراسات علمية واضحة، وليس فقط إلى مطالبات اجتماعية.
وتؤكد أن جوهر القانون يجب أن يقوم على حماية الطفل من آثار النزاع الأسري، وليس فقط تنظيم العلاقة بين الأبوين، موضحة أن أي نص قانوني لا يحقق هذا الهدف قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات بدلًا من حلها. وتختتم بالتأكيد على أن التوازن الحقيقي لا يعني المساواة المطلقة، بل تحقيق العدالة التي تضمن استقرار الأسرة وتحمي مستقبل الأطفال.
تحقيق العدالة
من جانبها تؤكد د.هبة هجرس عضو البرلمان وعضو المجلس القومي للمرأة؛ أن الهدف الأساسي هو تحقيق العدالة داخل الأسرة وقالت: «إحنا بنتكلم عن قانون بيمس كل بيت في مصر، وبالتالي أي نص فيه لازم يكون محسوب بدقة شديدة، لأن الخطأ هنا تأثيره بيكون اجتماعي مش فردي بس.»
بالإضافة إلى أن البرلمان تلقى خلال السنوات الماضية مقترحات متعددة من جهات مختلفة، منها مؤسسات دينية، ومجالس قومية، ومنظمات مجتمع مدني، وهو ما خلق حالة من «تضارب الرؤى».
«كان عندنا أكتر من مشروع قانون، وكل جهة شايفه من زاويتها، فكان لازم يحصل نوع من التوفيق بينهم.»
كما لعبت ردود الفعل المجتمعية دورًا في إبطاء مناقشة القانون، حيث يخشى بعض النواب من تمرير بنود قد تُفسر على أنها منحازة لطرف دون الآخر لذلك أي تعديل في قانون الأحوال الشخصية يجب أن يراعي الثقافة المجتمعية، لأننا لا نطبق القانون من فراغ.»
«القانون لازم يكون منصف، لأن أي خلل في التوازن بيأثر على المجتمع كله.»
وترى أن بعض البنود تحتاج إلى ضمانات واضحة، خاصة فيما يتعلق بالاستضافة، وتوضح:»إحنا مع حق الأب، لكن بشرط وجود ضوابط تحمي الطفل من أي صراعات منها: ضمان أمان الطفل في الاستضافة، من خلال تحديد أماكن آمنة، وجود رقابة قانونية، وإمكانية سحب الحق في حالة إساءة استخدامه، تسهيل إجراءات النفقة حيث أن بطء الإجراءات يمثل عبئًا كبيرًا على المرأة.
أيضا دعم المرأة قانونيًا خاصة في حالات التعسف أو التلاعب بالقانون ومراعاة البعد النفسي.
القومى للمرأة
دكتورة مارجريت عازر عضو المجلس القومي للمرأة قالت: «إن تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية لا يرتبط فقط بالخلافات التشريعية، بل بحجم المسئولية الملقاة على عاتق الجهات المعنية، باعتباره قانون يمس كيان الأسرة المصرية بالكامل، وتشير إلى أن المجلس القومي للمرأة كان من أوائل الجهات التي قدمت تصورًا متكاملًا لمشروع قانون يوازن بين الحقوق والواجبات، ويراعي التغيرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري خلال السنوات الأخبرة.
وتوضح أن بعض المقترحات المثيرة للجدل، مثل سن الحضانة والولاية التعليمية، يجب أن تُناقش من منظور أشمل من مجرد الصراع بين الأب والأم، مؤكدة أن جوهر القانون يجب أن يتمحور حول مصلحة الطفل بوصفها أولوية مطلقة، وتضيف أن الطفل هو الطرف الأضعف في أي نزاع أسري، وبالتالي فإن أي نص قانوني لا يضمن له الاستقرار النفسي والاجتماعي سيكون نصًا قاصرًا مهمًا بدا متوازنًا على الورق.
وترى أن المجلس القومي للمرأة يدعم صياغة قانون عادل لا ينحاز لطرف على حساب الآخر، بل يهدف إلى الحفاظ على تماسك الأسرة حتى في حالات الانفصال، وتشدد على أن مسألة الاستضافة، على سبيل المثال، لا يمكن رفضها من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى ضوابط قانونية صارمة وآليات رقابية واضحة، تضمن عدم استخدامها كوسيلة ضغط أو وسيلة لإطالة أمد الخلافات بين الطرفين.
كما تؤكد أن من أبرز القضايا التي يوليها المجلس اهتمامًا خاصًا مسألة الولاية التعليمية وحق الأم في اتخاذ القرارات المتعلقة بأبنائها، خاصة في ظل الشكاوى المتكررة من تعقيد الإجراءات الحالية، وتشير إلى أن العدالة التشريعية الحقيقية تقتضي الاعتراف بدور الأم والأب معًا في اتخاذ القرارات المصيرية الخاصة بالطفل.
وفى النهاية أكدت على أن تأخر القانون رغم ما يثيره من انتقادات، قد يكون أفضل من إصدار نصوص متسرعة تخلق أزمات أكبر، مشددة على أن الهدف ليس مجرد إصدار قانون جديد، بل بناء تشريع عصري يواكب احتياجات الأسرة المصرية ويحمي حقوق الأطفال في المقام الأول وهذا يتماشى مع ما أعلنه المجلس من أن مصلحة الطفل وتماسك الأسرة من الركائز الأساسية لأي قانون جديد.
اقرأ أيضا: قانون الأحوال الشخصية الجديد .. طــوق نجاة الأسـرة المصرية
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية







