كيف بنت « المتحدة » هوية بصرية تخاطب العقل الجمعي؟

بين جملتي: “الله ينور عليكم” و”طفي النور”

محمد جلال
محمد جلال


نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬عمل‭ ‬إعلاني‭ ‬من‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬البصري‭ ‬المدروس،‭ ‬حيث‭ ‬تتكامل‭ ‬الفكرة‭ ‬مع‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تبدو‭ ‬بسيطة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬حملة‭ ‬طفي‭ ‬النور‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬الشركة‭ ‬المتحدة‭ ‬للخدمات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬كنموذج‭ ‬يستحق‭ ‬التوقف‭ ‬أمامه،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بوصفه‭ ‬عملًا‭ ‬توعويًا،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬دراسة‭ ‬تطبيقية‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬توظيف‭ ‬الهوية‭ ‬البصرية‭ ‬لخدمة‭ ‬الرسائل‭ ‬المجتمعية‭.‬

فهناك‭ ‬عناصر‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬عابرة‭ ‬للمشاهد‭ ‬غير‭ ‬المتخصص،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تمثل‭ ‬ركائز‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬التأثير‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬قرار‭ ‬توحيد‭ ‬تون‭ ‬الألوان‭ ‬وأنماط‭ ‬ملابس‭ ‬الأبطال،‭ ‬وهو‭ ‬قرار‭ ‬يعكس‭ ‬فهمًا‭ ‬عميقًا‭ ‬لدور‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الإدراك‭.‬

هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬البصرية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬العناصر‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬تتكامل‭ ‬لتشكّل‭ ‬تجربة‭ ‬بصرية‭ ‬متماسكة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬التحليلية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عمق‭ ‬الرؤية‭ ‬الكامنة‭ ‬خلفه‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬المحاور‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬سيكولوجية‭ ‬البساطة‭ (‬The Power of Simplicity‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬جاء‭ ‬اعتماد‭ ‬باليت‭ ‬ألوان‭ ‬محايدة‭ ‬مثل‭ ‬الأبيض‭ ‬والرمادي‭ ‬والبيج،‭ ‬مصحوبًا‭ ‬بملابس‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬استعراض‭ ‬بصري،‭ ‬ليعكس‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بالتقشف‭ ‬البصري‭. ‬هذا‭ ‬التقشف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تقليلًا‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الصورة،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬لها‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تقليل‭ ‬الضوضاء‭ ‬البصرية‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى،‭ ‬أصبح‭ ‬المشاهد‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬الأساسي‭: ‬إطفاء‭ ‬النور‭. ‬وهنا‭ ‬تتحول‭ ‬البساطة‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬جمالي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإدارة‭ ‬الانتباه‭.‬

أما‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬فيرتبط‭ ‬ببناء‭ ‬هوية‭ ‬تشبه‭ ‬الجمهور،‭ ‬فالاختيارات‭ ‬البصرية‭ ‬في‭ ‬الملابس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬بيئة‭ ‬مألوفة‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬مصري‭. ‬هذه‭ ‬الواقعية‭ ‬تخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬وما‭ ‬يعيشه‭ ‬المشاهد،‭ ‬مما‭ ‬يحول‭ ‬الرسالة‭ ‬من‭ ‬محتوى‭ ‬يُشاهد‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬تُحس‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬أنسنة‭ ‬الرسالة‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بجذب‭ ‬الانتباه،‭ ‬بل‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬وتعزيز‭ ‬القبول،‭ ‬ويمنح‭ ‬الرسالة‭ ‬عمقًا‭ ‬واستمرارية‭ ‬في‭ ‬التأثير‭.‬

المحور‭ ‬الثالث‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التباين‭ ‬الوظيفي‭ ‬كعنصر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬البصري‭ ‬للعمل‭. ‬فالألوان‭ ‬الموحدة‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬دورًا‭ ‬جماليًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬دعمت‭ ‬اللغة‭ ‬السينمائية‭ ‬للمشهد‭. ‬عند‭ ‬انطفاء‭ ‬الإضاءة‭ ‬يتولد‭ ‬تباين‭ ‬بصري‭ ‬حاد‭ ‬يجعل‭ ‬لحظة‭ ‬التوفير‭ ‬لحظة‭ ‬ذروة‭ ‬بصرية‭ ‬وشعورية‭. ‬هذا‭ ‬الاستخدام‭ ‬الواعي‭ ‬للتباين‭ ‬يعكس‭ ‬فهمًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإخراج‭ ‬والهوية‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قدمته‭ ‬الشركة‭ ‬المتحدة،‭ ‬بتنفيذ‭ ‬دقيق‭ ‬من‭ ‬سعدي‭ ‬جوهر،‭ ‬يتجاوز‭ ‬فكرة‭ ‬الحملة‭ ‬الناجحة‭ ‬ليقدم‭ ‬نموذجًا‭ ‬لكيفية‭ ‬بناء‭ ‬هوية‭ ‬بصرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي‭. ‬فالهوية‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬اختيارات‭ ‬شكلية،‭ ‬بل‭ ‬لغة‭ ‬متكاملة‭ ‬تُصاغ‭ ‬لتؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬محددة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬مثل‭ ‬لون‭ ‬قميص‭ ‬أو‭ ‬طبيعة‭ ‬الخامة،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬هامشية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬عمل‭ ‬يُنسى‭ ‬سريعًا‭ ‬وآخر‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬ممتدًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬يثبت‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬أن‭ ‬السهل‭ ‬الممتنع‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تعبير‭ ‬بلاغي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مستوى‭ ‬متقدم‭ ‬من‭ ‬الاحتراف‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تبسيط‭ ‬الفكرة‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بعمقها‭.‬

دائمًا‭ ‬ما‭ ‬يترسخ‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مشاريع‭ ‬الهوية‭ ‬البصرية‭: ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬الوظيفة‭ ‬تظل‭ ‬صورة‭ ‬ناقصة،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬جودتها‭ ‬التقنية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬هنا‭ ‬بامتياز‭.‬

;