الدبلوماسية المصرية تُخمد نيران الحرب بالجنوب

القاهرة تقود معركة التهدئة بين لبنان وإسرائيل

● الحرب الإسرائيلية على لبنان
● الحرب الإسرائيلية على لبنان


بين هدير المدافع وحسابات السياسة الثقيلة تبرز القاهرة كقوة توازن تسعى لكبح جماح التصعيد وفتح نوافذ للتهدئة فى واحدة من أكثر بؤر التوتر اشتعالًا فى المنطقة، ولم يكن إعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام مُجرد تطور عابر، بل محطة تعكس حراكًا دبلوماسيًا مصريًا نشطًا، يستند لخبرة تاريخية فى إدارة الأزمات، وقدرة مُتراكمة على التواصل مع مُختلف الأطراف، بما يُعزز فرص الانتقال من هدنة مؤقتة لمسار أكثر استقرارًا.

التحرك المصرى لم يكن وليد اللحظة، بل امتداداً لمسار طويل من الانخراط فى ملفات الإقليم، حيث أكدت مصر فى بيانات رسمية مُتتالية، ضرورة احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ورفض أى انتهاكات قد تمس استقراره، مع التشديد على أهمية التهدئة وخفض التصعيد، وهو ما تكرر فى الاتصال الذى تلقاه الرئيس عبدالفتاح السيسى من العماد جوزاف عون رئيس الجمهورية اللبنانية، الذى رحب خلاله بإعلان وقف إطلاق النار فى لبنان، مُشيدًا بالجهود التى تقوم بها الدولة اللبنانية لبسط سلطة المؤسسات الوطنية على كامل ربوع لبنان، مُثمنًا المساعى الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار واستدامة وقف إطلاق النار، ووفقًا للسفير محمد الشناوى المُتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية استعرض الرئيس الجهود التى تقوم بها مصر لدعم لبنان، والنأى به عن التوترات والأزمات الإقليمية الراهنة، مُشددًا على إدانة مصر الكاملة لأى اعتداء على أمن وسيادة لبنان ومُقدرات شعبه الشقيق، بينما أعرب عون عن تقديره لموقف مصر الدائم فى التضامن مع لبنان والوقوف بجانب الشعب اللبنانى، شاكرًا الرئيس لحرصه الكبير على دعم لبنان مُستعرضًا تطور المفاوضات المُباشرة التى تجرى برعاية أمريكية، مُشددًا على موقف الدولة اللبنانية المُتمسك بالتوصل لتسوية سلمية عادلة ومُستدامة تُحافظ على سيادة لبنان وأمن شعبه ووحدة وسلامة أراضيه.

الاتصالات التى أجراها وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى مع عدد من المسئولين الإقليميين والدوليين كانت تأكيدًا مُستمرًا على الموقف المصرى الثابت، والتى كان آخرها الاتصال الذى أجراه عبدالعاطى مع رئيس الوزراء اللبنانى نواف سلام، حيث أكد وزير الخارجية ثوابت الموقف المصرى الداعم لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، مُعربًا عن تقديره لإعلان واشنطن التوصل لوقف إطلاق النار، وهو ما قابله الجانب اللبنانى بإشادة واضحة بالدور المصرى وجهوده فى الوصول لهذه النتيجة.

شبكة تحركات

ما وراء هذه الاتصالات وما خلف سطور البيانات الرسمية يكشف عن شبكة تحركات أوسع، ورؤية مصرية مُتكاملة لإدارة الأزمة، تتجاوز الهدنة المؤقتة نحو محاولة تثبيت مسار سلام طويل الأمد، وكما يشرح السفير محمد العرابى وزير الخارجية الأسبق، فإن طبيعة السياسة الخارجية المصرية تقوم على الحفاظ على التوازن بين مُختلف الأطراف، فمصر تمتلك قدرة فريدة على التواصل مع الجميع، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك فى الأزمات المُعقدة، موضحًا أن القاهرة لا تتحرك بردود أفعال، بل وفق رؤية مُتكاملة تقوم على قراءة دقيقة للمشهد، والعمل على منع تفاقم الأزمات قبل خروجها عن السيطرة، مشددًا على أن مصر تعتمد على ما وصفه بـاالدبلوماسية الوقائيةب، التى تستهدف احتواء الأزمات بمراحلها الأولى، من خلال تكثيف الاتصالات والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف، بما فى ذلك القوى الكبرى.

وعن اتصال السيسى وعون، يقول العرابى إنه جاء فى توقيت بالغ الدقة، ليعكس تتويجًا للجهود المصرية التى بُذلت خلال الأسابيع الماضية من أجل احتواء التوترات الأمنية بالجنوب اللبنانى، والعمل على وقف الحرب ودعم الاستقرار فى البلاد، لافتًا إلى أن الاتصال سبقته زيارة وزير الخارجية لبيروت، حيث أجرى مُباحثات موسعة مع مُختلف الأطراف اللبنانية بشأن سبل التهدئة، مُضيفًا أن الاتصال تضمن ترحيبًا باتفاق وقف إطلاق النار بجانب تأكيد استمرار الدعم المصرى للبنان فى مواجهة التحديات الراهنة، والعمل على تحييد البلاد عن أى توترات إقليمية، مُشيرًا إلى أن مصر جددت دعمها للمفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، بهدف التوصل لحل دائم وعادل للوضع بالجنوب اللبنانى، ووقف الاعتداءات المُتكررة، وهو ما لاقى ترحيبًا واسعًا من الجانب اللبنانى رسميًا وشعبيًا.

فى السياق ذاته، يرى الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية أن التحرك المصرى فى الملف اللبنانى لا يُمكن فصله عن استراتيجية أوسع تهدف لمنع تفكك الدولة الوطنية بالمنطقة، مُشيرًا إلى أن القاهرة تنظر للبنان باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومى العربى، وأن أى انهيار فى استقراره سينعكس على المنطقة بأكملها، مُضيفًا أن مصر تُدرك أن التصعيد بلبنان لا يرتبط فقط بالصراع المُباشر مع إسرائيل، بل يتداخل مع حسابات إقليمية أوسع، تشمل التوترات بين إيران وإسرائيل، والتوازنات الدولية، وهو ما يجعل أى تحرك لاحتواء الأزمة يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين مُختلف الأطراف، وهو ما تحاول القاهرة القيام به.

الأمن القومي

ويؤكد فهمى أن مصر تتحرك وفق مفهوم الأمن القومى الشامل، الذى يتجاوز الحدود الجغرافية ليشمل استقرار الدول العربية، مُشيرًا إلى أن أى اضطراب فى لبنان ستكون له تداعيات مُباشرة على المنطقة، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، مُشددًا على أن القاهرة تسعى للحفاظ على توازن دقيق بين دعم الاستقرار وعدم الانخراط فى صراعات مُباشرة، وهو ما يتطلب أدوات دبلوماسية مرنة وقدرة على إدارة العلاقات مع مُختلف القوى الدولية.

من جانبه، يؤكد الدكتور إسماعيل تركى أستاذ العلوم السياسية أهمية فصل الملف اللبنانى عن التجاذبات الإقليمية الدائرة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، مُثمنًا الموقف المصرى الداعم للدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية، موضحًا أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا جراء انخراطه فى صراع ليس بقراره، مُشددًا على ضرورة تمكين الجيش الوطنى اللبنانى ليكون صاحب الكلمة العُليا، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى التى توغلت فيها بجنوب لبنان لضمان استقرار دائم، مُحذرًا من التصريحات الإسرائيلية حول إنشاء امنطقة أمنيةب بعمق 10 كيلومترات جنوب لبنان، مُعتبرًا أن مثل هذه الخطوات قد تُعيق الوصول لتسوية نهائية، مؤكدًا أن الجهود المصرية بالتنسيق مع دول إقليمية ودولية مُستمرة لضمان العودة لمُعدلات الاستقرار التى سبقت أزمة فبراير الماضى بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد العالمى، لافتًا إلى أن القاهرة تتحرك على أكثر من مستوى، يشمل الاتصالات المُباشرة مع الأطراف المعنية، والتنسيق مع القوى الدولية، إضافة لدعم الجهود الرامية لتثبيت التهدئة، وفتح المجال أمام مسار تفاوضى أوسع، مُشيرًا إلى أن هذا التحرك يعكس عودة قوية للدور المصرى فى إدارة ملفات الإقليم، حيث تعتمد القاهرة على مزيج من الخبرة التاريخية والمرونة السياسية، بما يُمكنها من التعامل مع أزمات مُعقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية.

مرحلة انتقالية

ومن الناحية القانونية يُشير الدكتور حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية إلى أن اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة تُمثل عادة مرحلة انتقالية تهدف لإدارة الصراع وليس إنهاءه، موضحًا أن هذه الاتفاقات توفر إطارًا يُمكن البناء عليه فى المفاوضات اللاحقة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية، مُضيفًا أن نجاح أى اتفاق يعتمد على مدى التزام الأطراف ببنوده، إضافة لوجود ضمانات دولية قادرة على دعم هذا الالتزام، وهو ما يجعل الدور الدولى - بجانب الدور الإقليمى - عاملًا حاسمًا فى تحديد مُستقبل الهدنة.

النائب عفت السادات وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يؤكد أن الدبلوماسية المصرية تلعب دورًا محوريًا ومؤثرًا على الساحة الدولية، وتُعد أحد أهم أدوات تهدئة الأوضاع بالمنطقة، مُشيرًا إلى أنها أصبحت اكلمة السرب بالعديد من المُفاوضات والأزمات الكبرى، موضحًا أن التحركات المصرية الأخيرة فى الملفات الإقليمية والدولية، وفى مُقدمتها الجهود المُرتبطة بالأوضاع بلبنان، تعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية القائمة على دعم سيادة الدول واحترام وحدة أراضيها، والعمل على ترسيخ الاستقرار بالمنطقة، مُشيدًا بالدور الذى قامت به الدولة المصرية فى دعم الجهود الرامية للتوصل لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بما يُسهم فى تعزيز فرص التهدئة ووقف التصعيد، لافتًا إلى أن هذا التحرك يعكس ثقة المجتمع الدولى فى قدرة مصر على إدارة الملفات المعقدة بحكمة واتزان، مُشددًا على أن الدبلوماسية المصرية، بقيادة الرئيس السيسى ووزارة الخارجية، نجحت فى بناء شبكة واسعة من العلاقات المُتوازنة مع مُختلف القوى الدولية والإقليمية، ما جعلها لاعبًا رئيسيًا فى تقريب وجهات النظر وحل الأزمات.

اقرأ  أيضا: الرئيس السيسي يثمن جهود ترامب للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان