توجيهات السيسى تحرِّك المياه الراكدة .. ثورة تشريعية تعيد بناء الأسرة المصرية

صورة تعبرية
صورة تعبرية


جاء توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة إلى مجلس النواب ليكسر حالة الجمود التى طالما أحاطت بواحد من أكثر الملفات حساسية وتشابكًا فى المجتمع المصرى، ولم يكن هذا التحرك مجرد إجراء تشريعى تقليدى، بل إعلان واضح عن انتقال الدولة من مرحلة إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، فى ملف تتقاطع فيه اعتبارات الدين والقانون والاقتصاد، وتنعكس تداعياته بشكل مُباشر على ملايين الأسر المصرية.

هذا التوجيه، الذى يأتى بعد سنوات من النقاشات المُجتمعية والجدل القانونى، أعاد فتح ملف الأحوال الشخصية بكل تعقيداته، لكنه فى الوقت ذاته حمل دلالات أعمق تتعلق بتوقيت القرار، وجاهزية الدولة للحسم، وطبيعة التحولات التى طرأت على الأسرة المصرية، التى جعلت من استمرار القوانين الحالية عبئًا اجتماعيًا متزايدًا.

أهمية التوجيه الرئاسى لا تكمن فقط فى مضمونه، بل فى توقيته، حيث جاء بعد اكتمال إعداد مشروعات القوانين، واستطلاع آراء العلماء والمُتخصصين، مما يعكس وجود إرادة سياسية واضحة لإنهاء حالة التأجيل، وكما يشير اللواء الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية فإن توجيهات الرئيس تعكس إرادة سياسية واضحة لإنهاء حالة الجمود التشريعى التى طال أمدها فى ملف الأحوال الشخصية، وفتح صفحة جديدة تقوم على العدالة والتوازن والاستقرار المُجتمعى، موضحًا أن هذه الخطوة تُمثل نقلة نوعية فى مسار الإصلاح التشريعى، خصوصًا أنها تأتى بعد فترة إعداد مُمتدة شهدت حوارًا واسعًا مع العُلماء والمُتخصصين والخُبراء، وهو ما يمنح هذه القوانين قدرًا كبيرًا من النُضج والتكامل، ويُعزز من فرص نجاحها فى مُعالجة الاختلالات المُزمنة التى عانت منها المنظومة الحالية.

وأشار فرحات إلى أن التوجه نحو إصدار تشريعات مُتكاملة للأسرة المُسلمة والمسيحية إلى جانب إنشاء صندوق دعم الأسرة، يعكس فهمًا دقيقًا لخصوصية المُجتمع المصرى وتنوعه، وفى الوقت ذاته يؤكد وحدة الهدف، وهو حماية كيان الأسرة وتعزيز تماسكها فى مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المُتزايدة، مُضيفًا أن هذه القوانين تستهدف إعادة ضبط العلاقة بين أطراف الأسرة على أسس أكثر توازنًا، من خلال تحقيق العدالة بين الحقوق والواجبات، ووضع مصلحة الطفل فى صدارة الأولويات، باعتباره الأكثر تأثرًا بأى نزاعات أسرية، مؤكدًا أن تقليل حدة الصراعات بعد الانفصال يُمثل أحد أهم معايير نجاح هذه التشريعات. 

بعد استراتيجى

ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن من أبرز ملامح التطوير المُرتقب إدخال آليات أكثر مرونة وعدالة فى تقدير النفقات، بما يتواكب مع المُتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما من شأنه تقليص فجوة الخلافات بين الأطراف، وضمان حياة كريمة للأبناء دون تحميل أى طرف أعباء غير متوازنة، كما أشار إلى أن إنشاء صندوق دعم الأسرة يُمثل بُعدًا استراتيجيًا فى هذه الحزمة التشريعية، حيث يوفر شبكة أمان اجتماعى تضمن استقرار الأسرة فى أوقات الأزمات، ويُسهم فى الحد من التداعيات السلبية للنزاعات، خصوصًا على الأطفال، بما يُعزز من الاستقرار المُجتمعى على المدى الطويل، مُشددًا على أن نجاح هذه القوانين يتطلب توافر إرادة مُجتمعية داعمة إلى جانب الإرادة السياسية، من خلال حوار برلمانى ومجتمعى جاد يضمن الوصول لأفضل الصياغات، مُختتمًا بأن تحديث منظومة الأحوال الشخصية لم يعد ترفًا تشريعيًا بل ضرورة حتمية لبناء مُجتمع أكثر تماسكًا وعدالة.

على المستوى التنفيذى أكدت الحكومة أنها قطعت شوطًا كبيرًا فى إعداد هذه القوانين، وهو ما أشار إليه المُستشار محمد الحمصانى المُتحدث باسم مجلس الوزراء، الذى أوضح أن عددًا من مشروعات القوانين وعلى رأسها قانون الأسرة للمسيحيين وصندوق دعم الأسرة أصبح جاهزًا للإحالة، مُشيرًا إلى أن هذه القوانين تم إعدادها بعد دراسة مُتأنية للتحديات التى كشفت عنها التجربة العملية، بما يضمن تقديم حلول واقعية، وليس مُجرد نصوص نظرية.

هذه السرعة فى التنفيذ تعكس تحولًا فى فلسفة التشريع، من التركيز على الصياغة القانونية المُجردة للاهتمام بفاعلية التطبيق، وهو ما يُعد أحد أبرز التحديات بملف الأحوال الشخصية، حسبما تؤكد مها أبوبكر المحامية بالنقض، التى تلفت لضرورة مُتابعة أطفال الشقاق فى أثناء فترة الحضانة أسوة بالأطفال ذوى الكفالة، فوزارة التضامن لها دور فى مُتابعتهم وتعقبهم بمعنى أن الأسرة التى تكفل طفلًا يتم مُتابعة البيئة التى تصطحبه بها وتعليمه وصحته لضمان تنشئته فى بيئة سليمة، فيجب مُتابعة الحاضن والتأكد من كونه صالحا نفسيًا ويعيش بيئة آدمية تُحقق استقرار الطفل، مُضيفة أن الطفل ليس ملكية خاصة لذلك لابد من التدخل القانونى كمشرط الجراح، فالأب غير مسموح له برؤية طفله بأى وقت يُريده ولا يستطيع الحديث معه وقتما يشاء فنظام الرؤية الحالى غير إنسانى.

خطوة ضرورية

وزيرة التضامن الاجتماعى الدكتورة مايا مرسى أكدت أن تحديث قوانين الأحوال الشخصية يُمثل خطوة ضرورية لتحقيق العدالة داخل الأسرة، مُشددة على أن القوانين الحالية لم تعد تُلبى احتياجات المرأة المصرية وأن أى قانون جديد يجب أن يضمن سرعة الفصل فى قضايا النفقة وتوفير حماية حقيقية للمرأة والأطفال، بما يُعزز الاستقرار الأسرى.

وتؤكد هُنا النائبة جيهان شاهين عضو مجلس النواب أن مشروع القانون الجديد يستهدف مُعالجة هذه الأزمات من جذورها، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، مُضيفة أن القانون المُرتقب يسعى لتحقيق توازن عادل بين حقوق وواجبات طرفى العلاقة، بما يضمن حماية المرأة وعدم الإضرار بحقوق الرجل مع وضع آليات واضحة تُقلل من تعقيدات التقاضى وتسرِّع الفصل فى النزاعات، مؤكدة أن من أبرز أهداف التشريع الجديد حماية الأطفال من تداعيات الخلافات الأسرية، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا لهم على المستويين النفسى والاجتماعى بجانب دعم الفئات الأكثر احتياجًا من خلال أدوات مثل صندوق دعم الأسرة، مُشددة على أن البرلمان حريص على مُناقشة مشروع القانون بشكل موسع، والاستماع لجميع الآراء لضمان خروج تشريع مُتوازن يعكس احتياجات المُجتمع، ويُسهم فى بناء أسرة مُستقرة تُمثل أساسًا قويًا لمُجتمعنا.

المجلس القومى للمرأة أعرب على لسان رئيسته المُستشارة أمل عمار عن شكره واعتزازه لتوجيهات الرئيس، وأكدت رئيسة المجلس أن هذا التوجيه يعكس إيمان القيادة السياسية الراسخ بأهمية استقرار الأسرة المصرية، وحرصها على صياغة تشريعات عصرية ومتوازنة تُحقق العدالة وتحفظ حقوق جميع أفراد الأسرة، مُشددة على أن المرأة المصرية يمكنها أن تطمئن تمامًا على حقوقها ومكتسباتها التى تحققت على مدار السنوات الماضية، التى جاءت بدعم وإرادة سياسية واضحة من الرئيس، مؤكدة أن هذه المكتسبات لن يتم المساس بها، بل سيتم تعزيزها وترسيخها من خلال التشريعات الجديدة، مُضيفة أن التوجهات الرئاسية أكدت أن قانون الأسرة المُرتقب لن يكون على حساب أى طرف، بل سيُحقق التوازن والعدالة، ويُحافظ على كيان الأسرة المصرية، ويُراعى المصلحة الفضلى للطفل باعتبارها أولوية أساسية فى أى تشريع، مؤكدة أن المجلس القومى للمرأة يُشارك بفاعلية فى إبداء الرأى وتقديم المُقترحات لضمان خروج قانون يُعبّر عن احتياجات المجتمع المصرى، ويكفل الحماية الكاملة للمرأة، ويُعزز الاستقرار الأسرى فى إطار من المسئولية المُشتركة والمساواة بين الجنسين.

وترى الدكتورة هالة منصور أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن تعديل قوانين الأسرة المصرية - كما وجه الرئيس - مهم وضرورى، ويتكامل معه العديد من العوامل الأخرى التى يمكن وصفها بـابيئة القانونب أى الإطار المُجتمعى الذى يُطبق فيه، موضحة أن هذه البيئة تشمل الوعى المُجتمعى، وتصحيح السلوكيات، وتنظيم إيقاع الحياة، وهى عوامل لا يُمكن تحقيقها إلا من خلال تكامل جهود مُختلف مؤسسات المُجتمع، مُشيرة إلى أن هذه المنظومة تبدأ من الأسرة نفسها من خلال التربية السليمة للأبناء، والحفاظ على القيم والعلاقات داخلها، وتحديد الأدوار بشكل مُتوازن، منوهة بأهمية دور المؤسسات الثقافية والتعليمية فى غرس القيم عبر المراحل الدراسية المُختلفة، وكذلك وسائل الإعلام بما تُقدمه من مُحتوى درامى وبرامجى يؤثر فى تشكيل وعى المُجتمع، مُشددة على أن السلطة التشريعية تأتى فى مُقدمة هذه المنظومة من خلال صياغة القوانين، وقالت إن القانون وحده لا يكفى؛ إذ لا بد أن تصل الرسالة للمجتمع بشكل مُتكامل، فبيئة القانون تظل أكثر تأثيرًا من نصوصه، خاصة أن الأسرة كمؤسسة اجتماعية لا يُمكن بناؤها أو الحفاظ عليها بالقانون فقط.

خطاب توعوى

وأكدت هالة أنه لتحقيق استقرار الأسرة، نحتاج خطابا توعويا قائما على أسس علمية، يُشارك فيه مُتخصصون من مجالات علم النفس والاجتماع، وعلم الجريمة والقانون، كما ينبغى الاستفادة من الدراسات القائمة بالفعل وتحليل توصياتها، والعمل على تعديل بعض السلوكيات من خلال رسائل توعوية مدروسة، تُقدم عبر مؤسسات التنشئة المُختلفة بشكل مُتكامل وعميق، مُشددة على أهمية عدم النظر للقوانين ذاتها من منظور فئوى يُميز بين الرجل والمرأة، لأن هذا النهج لا يحقق العدالة، بل يجب أن تكون القوانين موجهة للأسرة ككل بما يضمن حمايتها ورعاية جميع أفرادها دون تحيز.

ويؤكد الدكتور صلاح فوزى أستاذ القانون الدستورى، أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الحاكم فى أى تشريع جديد، مُشيرًا إلى أن هذا المبدأ أصبح حجر الزاوية فى القوانين الحديثة، موضحًا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب صياغة نصوص واضحة، وآليات تنفيذ فعالة، تضمن حماية حقوق الأطفال، دون الإخلال بحقوق الوالدين، منوهًا بأن التحدى الحقيقى لا يكمن فى إصدار القوانين بل فى كيفية تطبيقها، لافتًا إلى أن إنشاء صندوق دعم الأسرة يُعد أحد أبرز ملامح الحزمة التشريعية، حيث يمثل تحولًا فى دور الدولة من مُجرد مُنظم للعلاقات لطرف داعم يوفر الحماية الاجتماعية، مُشددًا على أن هذا الصندوق يُمكن أن يُسهم فى حل أزمة النفقة، التى تُعد من أكثر القضايا إلحاحًا، من خلال ضمان وصول الدعم لمُستحقيه فى الوقت المُناسب.

اقرأ  أيضا: أحمد العطيفي: نُعيد صياغة مستقبل أجيال في قانون الأحوال الشخصية