بالشمع الأحمر

المناعة المفقودة!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


جمعتنى جلسة ودية بصديقين ينتميان لجيلين مختلفين. الحديث عن واقعة مأساوية شغلت المصريين، فتح الباب أمام حوار مستفيض حول جرائم عديدة شغلت الرأى العام مؤخراً، ووقائع أخرى تشير إلى انحدار سلوكى لا ينبغى الاستهانة به. ارتدى كلٌ منا عباءة المحلل، وأدلى بدلوه انطلاقاً من قناعته الذاتية، وأعتقد أن تفسيراتنا لم تخرج عن نطاق ما يتداوله المتخصصون فى علمى النفس والاجتماع، بعد أن أصبح التشخيص يعتمد عادة على الرؤى الشخصية، رغم أنه ينبغى أن ينطلق من نظريات علمية.
قائمة الاتهام شملت اثنين من المشتبه فيهما: «دراما العنف» و«السوشيال ميديا»، وقدّم كلا الزميلين عريضة شملت دفوعهما، ووجدتُ نفسى أتقمص شخصية الدفاع، وأدحض كل ما تقدما به. تساءلت فى البداية: ألم يكن فريد شوقى يوماً ما وحش الشاشة و«فتوة الناس الغلابة»؟ حتى إنه جعل شباب أجيال كاملة يعيشون أحلام يقظتهم، وهم يتخيلون أنهم يفرضون سطوتهم على كل من يقف فى طريقهم، بقبضة حديدية أو مطواة أو حتى مجرد «شومة». فى المقابل عاش المجتمع وقتها أزهى عصور نضجه الأخلاقى، صحيح أنه لم يكن مثالياً بلا جريمة، غير أن الجرائم ظلت مجرد استثناء مرفوض، بينما التعاملات اليومية تمضى فى مناخ صحى حتى فى مفرداته المتداولة.
وتعجبتُ من تعاظم التأثيرات السلبية لمنصات التواصل فى مجتمعاتنا، بينما يتم تحجيمها على الفور فى الغرب. كل ما فعلتْه «السوشيال ميديا» أنها كشفت عورات البشرية، وهو أمر إيجابى لأن الكشف يسهم فى تشخيص أمراضنا الاجتماعية، التى يُفترض أن نضع خططاً لعلاجها، لكن المشكلة أننا بدأنا توظيفها فى استقطاب صارخ، وأصبحت كل الفئات فى حالة صراع مزمن، بدءاً من التمادى فى الخصومة بين مشجعى فرق الكرة، حتى تكريس النزاع بين الرجال والنساء، وكأن الطرفين فى صراع وجودى، يكون البقاء فيه للأعلى صوتاً.
أعتقد أن المشكلة الأساسية تكمن فى انهيار مناعة قيَمنا، وهو أمر يتطلب سعياً جاداً لتدعيم بنيتنا الأساسية وتطعيمها بأبجديات الأخلاق، قبل أن نفاجأ ذات زمن.. بانقراضها!