أهم من القنبلة النووية.. كيف حوّلت إيران مضيق هرمز إلى سلاح تفاوض لا يُهزم؟

مضيق هرمز
مضيق هرمز


"كيف حوّلت إيران مضيق هرمز إلى سلاح تفاوض لا يُهزم؟".. هذا العنوان تصدر وكالة الأنباء الإيرانية الدولية "تسنيم" القريبة من الحرس الثوري الإيراني، وتناقلته عنها وسائل الإعلام الإيرانية والدولية، وهو يشير إلى كيفية إدارة العقل الإيراني للمفاوضات والحرب في آن واحد، مستخدما ورقة مضيق هرمز "كسلاح تفاوض" في توظيف جديد للجغرافيا الإيرانية باعتبارها عقدة استراتيجية في الحرب وورقة ضغط في التفاوض لتجني من خلالها المكاسب السياسية. 

 

اقرأ أيضا: هدنة على حافة الهاوية | البحرية الأمريكية تحتجز "توسكا".. وإيران ترد بالمسيرات

 

تقول وكالة "تسنيم" الإيرانية، إن "إيران لم تتفاوض على البرنامج النووي فقط، ولم تتفاوض على الصواريخ فقط، بل ربطت كل شيء بمضيق هرمز وبالجبهة اللبنانية.. منذ أكثر من عام، تشهد منطقة غرب آسيا أحداثا مزدوجة لم تشهد لها المنطقة مثيلاً من قبل. حرب تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على جبهتين مترابطتين: الجبهة الإيرانية، والجبهة اللبنانية، لكن ما لم تحسبه واشنطن وتل أبيب هو أن إيران لم تكن مجرد هدف في هذه الحرب، بل كانت لاعباً رئيسياً يمتلك أوراق قوة غير تقليدية. وأهم هذه الأوراق كان مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي حوّلته طهران من مجرد موقع جغرافي إلى سلاح استراتيجي للتفاوض وفرض الإرادة".

كيف استطاعت إيران أن تفرض قوتها في خضم هذه الحرب المزدوجة؟ وكيف استخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط في لبنان وإيران معاً؟

تجيب الوكالة الإيرانية شبه الرسمية، بأن "الحرب على إيران جبهة مفتوحة بكل الأدوات.. لم تبدأ الحرب على إيران يوم أمس، لكنها وصلت إلى ذروتها خلال هذا العام، فإسرائيل وبدعم أمريكي كامل، بعد شنها حرباً على ايران بداية اغتالت فيها المرشد الأعلى علي الخامنئي وقادة عسكريين وسياسيين وضربت مواقع عسكرية إيرانية في عمق الأراضي الإيرانية. لتحشد أمريكا، من جهتها، أساطيلها البحرية في مياه الخليج  والبحر المتوسط، ووضعت قواعدها العسكرية في حالة تأهب قصوى، وضغطت اقتصادياً وسياسياً على إيران كما لم تفعل من قبل. القصف الإسرائيلي على لبنان لم يتوقف، وآلاف الشهداء والجرحى سقطوا، ومدن بأكملها دُمّرت، ومن بينها بنت جبيل التي أربكت الحرب وأثبتت فشل إسرائيل في السيطرة عليها رغم 54 يوماً من الحصار..

"في مواجهة هذا الهجوم الشامل، كان على إيران أن ترد، لكن ليس بالطريقة التقليدية التي ينتظرها ترامب. هرمز ليس للتهديد فقط، بل للتفاوض أيضاً  لم تكتفِ إيران بما يحدث في لبنان، ففي الوقت الذي كانت تدور فيه المعركة في جنوب لبنان، كانت طهران تمسك بورقة أخرى أخطر وأكثر تأثيراً: مضيق هرمز. في اللحظة التي شعرت فيها إيران أن الضغط عليها قد تجاوز الحدود، لم تلوّح بملفها النووي بل لوّحت بمضيق هرمز"..

فكانت رسالتها واضحة: "إذا استمرت الحرب في لبنان، وإذا استمرت الضربات على أراضينا، فسنغلق المضيق". هذه الرسالة وصلت إلى واشنطن وبكين وطوكيو وسيول ونيودلهي قبل أن تصل إلى تل أبيب. فجأة، لم يعد الموضوع مجرد حرب إسرائيلية - إيرانية، بل أصبح أزمة عالمية تهدد الاقتصاد العالمي بأكمله. الصين التي تستورد نصف نفطها عبر هرمز، والهند التي تستورد 70%، واليابان وكوريا اللتان تعتمدان بالكامل على نفط الخليج، كلها ضغطت على أمريكا لوقف التصعيد، فأثبتت ايران مرة ثانية وثالثة أن قوتها ليست فقط بقدرتها على إغلاق المضيق، بل بقدرتها على جعل العالم بأسره وسيطاً لصالحها.

تقول "تسنيم": "إيران تتفاوض من موقع قوة: هرمز مقابل لبنان هنا برزت الاستراتيجية الإيرانية. إيران لم تتفاوض على البرنامج النووي فقط، ولم تتفاوض على الصواريخ فقط، بل ربطت كل شيء بمضيق هرمز وبالجبهة اللبنانية. شروطها كانت واضحة وأعلنتها عبر قنوات دبلوماسية متعددة: "وقف إطلاق النار في لبنان ووقف الضربات على الأراضي الإيرانية، مقابل فتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة التفاوض". هذا الربط بين جبهة لبنان ومضيق هرمز كان ذكياً جداً، لأنه وضع أمريكا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دعم "إسرائيل" ومواجهة كارثة اقتصادية عالمية، أو الضغط على "إسرائيل" لوقف الحرب وقبول شروط إيران. فإختارت أمريكا الخيار الثاني، ليس حباً بإيران، بل خوفاً على اقتصادها واقتصاد حلفائها.

هل تفوّق هرمز على النووي في الحرب؟

توضح "تسنيم": "الحرب الجارية الآن على إيران ولبنان أثبتت حقيقة كان الكثيرون يجهلونها: في زمن الحرب، مضيق هرمز أهم من القنبلة النووية. القنبلة النووية سلاح رادع، أما هرمز فهو سلاح هجومي ودفاعي في آن واحد. إيران لا تحتاج إلى تفجير أي قنبلة نووية لترعب العالم، كل ما تحتاجه هو إعلان واحد وإجراء واحد: إغلاق المضيق. أسعار النفط قفزت، البورصات انهارت، وهذا هو التأثير المباشر والفوري. فكان هرمز ورقة الحاضر الفورية. 

كيف استطاعت إيران فرض قوتها رغم التفوق العسكري الأمريكي؟

تشير "تسنيم" إلى أن  هذا السؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاعت إيران أن تفرض قوتها وتتفاوض بشروطها؟ الجواب يكمن في مفهوم "الردع غير المتماثل"، لذا ذهبت إلى حيث ما تتفوق فيه: الجغرافيا الضيقة، والحرب غير التقليدية، وربط الساحات. فكان مضيق هرمز هو المكان الذي تختفي فيه الميزة الأمريكية، ويظهر فيه التفوق الإيراني. في هذا الممر الضيق، لا تستطيع حاملات الطائرات الأمريكية المناورة، ولا تستطيع الغواصات العمل بحرية، ولا تستطيع الطائرات توفير غطاء كافٍ. أما إيران، فنشرت آلاف الألغام والصواريخ والزوارق السريعة في كل متر من هذا المضيق، وأعدت خططاً لإغلاقه في ساعات، فجاء هذا الردع غير المتماثل ليجعل أمريكا ورغم تفوقها العسكري تنصاع للأوامر الإيرانية. لبنان وإيران جبهة واحدة: هرمز يربط الجميع ما لم يفهمه الكثيرون هو أن ما يحدث في لبنان وما يحدث في مضيق هرمز ليس منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة. إيران نسقت عملياتها العسكرية في لبنان مع تهديداتها البحرية في الخليج بشكل محكم. في اللحظة التي كان فيها حزب الله يربك الجيش الإسرائيلي" في مدينة بنت جبيل، كانت طهران ترفع مستوى التأهب في مضيق هرمز وتجري مناورات بحرية واسعة. في اللحظة التي كان يعلن فيها نتنياهو فشله في تحقيق أهدافه في لبنان، كانت إيران تعلن استعدادها للتفاوض بشروطها. هذا التنسيق لم يكن عفوياً، بل كان خطة مدروسة لربط الجبهات وخلق واقع ميداني لا يمكن فصله، فكانت النتيجة أن أي ضغط على حزب الله في لبنان يعني تهديداً بهرمز، فكانت هذه الدائرة المغلقة هي التي  جعلت أمريكا و"إسرائيل" عاجزتين عن تحقيق أي اختراق.

تضيف "تسنيم": "نتنياهو سقط سياسياً، لكن هرمز لا يزال مفتوحاً.. سقوط نتنياهو سياسياً ومعنوياً لم يكن صدفة، بل كان نتيجة طبيعية لفشله في تحقيق أي من أهدافه. فقد وعد جمهوره بتفكيك حزب الله وتدمير قدرات إيران النووية وتغيير خريطة "الشرق الأوسط"، لكنه خرج من الحرب بلا شيء. فـ"بنت جبيل" لم تسقط، وحزب الله لم يُفكّك، وإيران لم تتراجع، ومضيق هرمز بقي مفتوحاً بفضل التفاوض لا بفضل القوة الإسرائيلية. هذا الفشل الذريع أوصل رسالة إلى العالم: "إسرائيل" لم تعد قادرة على فرض شروطها، وأمريكا لم تعد قادرة على حماية حلفائها بمجرد التهديد العسكري. في المقابل، إيران خرجت من هذه الحرب أقوى مما دخلت: أثبتت قدرتها على حماية حلفائها، وأثبتت قدرتها على تفعيل أوراق القوة التي تملكها، وأثبتت أن مضيق هرمز هو السلاح الأكثر فعالية في ترسانتها".  

تابعت الوكالة الإيرانية: "ما بعد الحرب: هرمز مفتاح أي اتفاق مقبل الآن، ومع دخول المنطقة مرحلة الهدنة، بات واضحاً أن مضيق هرمز سيكون مفتاح أي اتفاق مقبل. إيران لن تتنازل عن هذه الورقة مجاناً، وستضعها في صميم أي مفاوضات حول برنامجها النووي أو دورها الإقليمي أو مستقبل حلفائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن. وتدرك  أمريكا  ذلك جيداً، ولهذا نراها تتراجع عن تشددها السابق وتظهر مرونة غير معهودة. كما أن أوروبا تدرك ذلك، ولهذا تضغط على "إسرائيل" لقبول وقف إطلاق النار. الصين والهند تدركان ذلك، ولهذا تتوسطان بين الأطراف. هرمز هو مفتاح المنطقة، وإيران هي من تمسك بهذا المفتاح. إيران فرضت قوتها، والعالم ينتظر دورَه في المحصلة النهائية، الحرب التي شنتها أمريكا و"إسرائيل" على إيران ولبنان لم تحقق عملياً  أيا من أهدافها، بينما خرجت إيران منها أكثر قوة وأكثر ثقة. استطاعت طهران أن تثبت أن امتلاك أسلحة تقليدية متفوقة لا يكفي لهزيمة خصم يمتلك أوراق قوة غير تقليدية، بل استطاعت أن تثبت أن الجغرافيا عندما تُقرأ بشكل صحيح، وتُستخدم بذكاء، يمكن أن تصبح سلاحاً لا يُهزم..

"استطاعت أن تثبت أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو عقدة استراتيجية يمكنها أن توقف أقوى جيوش العالم وتجبرها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. اليوم، وبعد كل هذه التطورات، تقف إيران في موقع القوة، تمسك بمفتاح الاقتصاد العالمي، وتنتظر من العالم أن يدفع الثمن لفتحه. أما أمريكا و"إسرائيل"، فلم يبق لهما إلا الاعتراف بالهزيمة أو الدخول في مغامرة لا يعرف أحد نهايتها. بنت جبيل صمدت، وهرمز بقي بيد إيران، ونتنياهو سقط. هذا هو واقع الشرق الأوسط الجديد".