تساؤلات

تحت قدم الصغير

أحمد عباس
أحمد عباس


القناعة يا صغيرى كنز حقيقى لكنه بالقطع يفنى، إذ لا يتجدد أو يستحدث من العدم

اااه.. وبينما يناور العالم هناك ويراوغ ويضرب ويقصف ويصيب ويخطئ ويكذب ويتجمل، جلست أنا تحت قدم الصغير أداعبها، أناغشها بأنفى وألاغيها، أناغيه منها وأحدثه..
يا صديقى لك مكان فى هذا العالم لذا جئت، لكن اسمع..
العالم مُهرج جدًا فى الخارج فلا تأخده على محمل الجد أبدًا، لدينا أشياء هنا وقضايا هائلة وملفات معقدة فتبّصر ولا تأخذك العواطف، أقول ذلك بجدية كأننى أحدث من يفهم فينتبه الصغير جدًا وعيناه تهلع.
أدس أنفى بين أصابع قدمه وأتنفس، فيضحك، وأكمل.. الناس يعتقدون بأنهم يقولون بالحقيقة بينما هى آراؤهم والآراء لا حقائق فيها وهذا فخ كبير فلا تسقط، لدينا هنا أيضًا من المتشابهات أخطرها وفهم البشر فى العموم من دروب المستحيلات فكف عن المحاولة لئلا تستهلكك الأمور أسرع مما يتوجب.
العالم يا صغير لا يحتاج إلى القوة فقط هو فقط يتحامى بها، فلا تبذل وقتك وجهدك فى إظهار عضلات قد تخونها الصحة فجأة، تعرف ممن يخشى الناس؟، من العالم المتعلم، لذا اقض ما استطعت من عمرك فى التعلم ولا تتعال، العلم يا صغيرى يهذب الخلق والعقل ويمكنك أن تصحبه فى رأسك أينما ذهبت.
اسأله: هل تفهم شيئًا؟، فيركلنى ويصيب بركلته فمى. فأضحك.
لدى قدمى الصغير رائحة بكر سائغة ندية تبشر بالمستقبل فقط، بعيدة عن رائحة البارود والدم والنار، اتنشقها بشهية فيفركها فى وجهى ويزهق، أدفسها فى فمى ما استطعت، وأحكى..
هكذا يا صغيرى يمكن أن تؤكل فى هذه الدنيا فلا تصدق كل من يقول بأنه سيتذوق فقط ويعيد لك البقية، ولا تمد قدمك فى موقع قبل أن ترى مكانًا لخطوتك التالية، وإذا زهزهت الطريق أمامك دون أن تبذل جهدا فتوجس.
يسحب الرضيع قدمه فى سكون ويسمع فأطيل عليه فيسأم فأقبله فيضحك، فأمضى من حيث انتهيت..
يا صغيرى الناس يحبون المط والتطويل فلا تستطرد فى قصدك، ولا تكن مختصرًا أكثر من المفهوم، وإذا صادفت جاهلًا فتعفف عن الجدل، وإذا قابلت عنيدًا فانسحب، وإذا التقيت متحجرًا لايجرؤ على الاعتراف فاعلم أن لا أمل فى حوار كهذا، كن سهلًا قدر ما استطعت وتخفف من أى شىء تستطيع تركه.
القناعة يا صغيرى كنز حقيقى لكنه بالقطع يفنى، إذ لا يتجدد أو يستحدث من العدم، كل الأشياء فى الدنيا رصيد متى سحبت منه ينقص وإذا تماديت فى الأخذ-أى أخذ- صرت طماعًا، والطمع يا صغيرى مقيت يتسلل بخبث للقلب فيصيبه بالجشع، والجشع يميت الروح رويدًا رويدًا، ويعمى النفس عن الترفع ويتركك مصابًا بلعنة الشهوة، على أية حال احذر!
أكبر الأخطاء يا صغيرى هو أن تصدق، حتى وإن نصحك الأمين فكل ما يقوله فى أحسن تقدير وجهة نظر آتية من تجربة منقولة عنه أو نقلها ناقل، فخض تجربتك بجسارة ولا تسمع لأى صوت يعرقلك فى المسيرة، ثم اسمع يا ولد..
ابذل جهدك ما استطعت لئلا تأتيك فرصة فى لحظة وتجدك عاطلًا لم تتحضر، فتغادرك وتمشى، والحياة فرص دائمة صدقنى لا فرصة واحدة فيها، فى العموم كن مستعدًا قدر طاقتك، ولا تيأس.
الناس تتبع الناس وهذا شأن لا طائل لك به فلا تفعلها، عواقبها وخيمة. وإن تورطت تراجع وإذا أخطأت اعترف ولو تعثرت أسرع وقُم ومتى سقطت لا تخف أبدًا، كل الواقفين الآن على أراضٍ صلبة سقطوا من قبل مئات المرات، فاثبت.
يعيد الصغير قدمه إلى فمى ويحشرها كأنه ينهانى عن التمادى، فأفهم، فيضحك، فأصمت، فيتمادى، فأرفعه، فيقهقه، فأحتضنه، فيغمض عينيه، وأضمه فيروح فى النوم، فأنام أنا على صدره.