زينب السجينى.. دوائر الألفة والونس

زينب السجينى..  دوائر الألفة والونس
زينب السجينى.. دوائر الألفة والونس


منى عبد الكريم

عن عمر ناهز 96 عامًا رحلت عن عالمنا الفنانة زينب السجينى، بعد مسيرة ممتدة عبر عقود طويلة فى الفن التشكيلى، برزت خلالها كواحدة من رائدات الفن المصرى المعاصر. فى عالمها سرد متصل؛ البيت يتسع، والمائدة تمتد، والوجوه تتجاور والحكايات تتشكل فى دوائر من الونس والألفة، كل شىء يتحرك داخل إيقاع هادئ، حيث تصير التفاصيل اليومية البسيطة: لعب البنات، حضن الأم، تجمعات النساء، القطط التى تستقر فى دفء اللحظة، وطحن القهوة، جميعها عناصر تبدو بسيطة، لكنها تتشابك لتصنع عالمًا بصريًا متكاملًا، يتواصل دون انقطاع.

ذلك المعنى الذى يتجلى فى عنوان واحد من معارضها التى استضافتها منذ عدة سنوات قاعة الزمالك للفن «وتواصل مفرداتها»، الذى تحدث عنه الفنان د. فرغلى عبد الحفيظ آنذاك قائلا: «تتواصل مع مفرداتها التى عشقتها وتعشقها دائما، مفردات مصرية تحتضن الواقع الحالم وتلامس الجذور العتيقة الرصينة، عالم الطفولة والأمومة هو العالم الذى حرك دائماً مشاعرها، وانفعالاتها وهيمن على رسائلها المليئة بالحب والسلام والونس والدفء الإنسانى. فزينب السجينى هى دائماً فنانة الحنان والسلام تحركت وتتحرك تكويناتها وألوانها دائماً فى اتجاه تحقيق هذه المشاعر».
روح الهوية
وتجربة الفنانة زينب السجينى تُعد من أبرز التجارب التى جسدت «روح الهوية المصرية» ببساطة وعمق، من خلال تعاملها مع موضوع رئيسى هو الأمومة والطفولة بوصفها بنية تشكيلية وإنسانية لا تغيب. يتفرع عنها عالم متسع من المشاهد المرتبطة بمصر بما فى ذلك الريف والنيل والنخيل والبحر وغير ذلك. ومن خلال هذا العالم، لا ترسم شخوصًا منفردة، بل تروى مشاهد نابضة بالحياة تعكس ذاكرة بصرية مصرية أصيلة تتجذر فى المكان والإنسان معًا.
وتنتمى لوحاتها إلى ما يمكن تسميته بـ «السهل الممتنع» وهو التعبير الذى استخدمه الناقد سامى البلشى واصفا أعمالها، فهى رغم بساطة الخطوط والعناصر، إلا أنها تقوم على بناء أكاديمى دقيق فى التصميم وتوزيع الكتل والفراغات. وهى لا تنقل الواقع بشكل مباشر، بل تقدم حالة شعورية.. وتتأسس لغتها التشكيلية على توازن دقيق بين البساطة وقوة البناء التشكيلى، وتتفرد الفنانة زينب السجينى كما وصفها الفنان والناقد الراحل عز الدين نجيب «بأسلوبها الخاص الذى يتميز ببساطة آسرة وتلقائية طفولية، وشاعرية رقيقة ويمثل عالمها الفنى عمق التواصل الإنسانى ودفء المشاعر الوجدانية والحنين الدائم إلى الطفولة والأمومة وفيض المحبة بين البشر». ولذلك لم يكن غريبًا أن تُلقّب بـ«أم البنات» و«أم الفنانين التشكيليين»، وهو ما يعكس تداخل البعد الفنى بالبعد الإنسانى فى تجربتها. فقد ظل حضور الطفولة محورًا رئيسيًا فى أعمالها، يتكرر ويتحوّل دون أن يفقد اتساقه.
أم الأطفال
يروى الفنان أحمد عبد الكريم، الذى لطالما اعتبرها أمه الروحية، إذ امتدت معرفتهم منذ السبعينات حيث تتلمذ على يديها وظلت هى المرشدة، أن هذا الحضور الإنسانى كان جزءًا أصيلًا من شخصيتها، وأن لقب «أم أطفال العالم» ارتبط بها منذ أن أطلقه حسين بيكار بعد أن شاهد أحد معارضها، ليصبح لاحقًا جزءًا من شخصيتها الفنية والإنسانية. أما الجانب الآخر فيعكس طبيعة العلاقة التى جمعتها بطلابها وتلامذتها، حيث تجاوزت العلاقة حدود التعليم إلى فضاء أوسع من الرعاية والدعم والتوجيه، وفى هذا السياق، يستعيد أحمد عبد الكريم ذكريات «لقاء الأربعاء»، وهو لقاء كان يعقد فى بيت الدكتور عبد الرحمن النشار وزوجته د.زينب السجينى بحضور مجموعة مختارة من طلابهم، لمناقشة قضايا الفن والتكوين والرؤية البصرية. بل أحيانا كان يتم دعوة شخصيات فنية وثقافية مرموقة وكان هذا الحوار من الثراء أن بعضا من تلك الأفكار تحولت فيما بعد إلى رسائل بحثية لنيل الدكتوراه. وكانت د. زينب معروفة بحبها الشديد لطلابها ومساعدتها الدائمة لهم، حتى أصبحت بمثابة أم لكل البنات داخل الكلية.
زينب السجينى كذلك كانت إنسانة شاعرية مرهفة الإحساس، إذ يصفها عبد الكريم بأنها كانت شخصية مسالمة، تحمل طاقة روحية وحسًا إنسانيًا عاليًا انعكست فى أعمالها.. تلك السمة التى أكد عليها  د.مصطفى الرزاز أيضا قائلا: «د. زينب معروفة بحساسيتها الفنية وشاعريتها فى التعبير عن الطفولة والأنوثة وتجمع فى أعمالها خلاصة خبرات مركزة فى دراسة الفن المصرى القديم وتصميماته الجدارية المدهشة بالإضافة إلى تعبيرها الشخصى عن موضوعها المحبب، وفى أعمالها تتضح الحنكة التقنية والبراءة التعبيرية حيث تستخدم اتجاهات الخطوط التى تمثل الأذرع والسيقان اليافعة لتحديد مسارات العين على سطح اللوحة، وهى فنانة قديرة فى التعامل مع الخلطات اللونية وملامس السطوح كما أن لها منهجها المتميز فى تكوين الصور وتركيبات العناصر».
روافد
وبالرجوع إلى الروافد التى شكلت رؤيتها الفنية لا يمكن إغفال طفولتها، فقد ولدت السجينى عام 1930، ونشأت فى منطقة الظاهر بين أحياء القاهرة العريقة ما بين حى باب الشعرية والحسين، حيث تشكّل وعيها الأول وسط بيئة غنية بالتفاصيل اليومية. وكان لعمها الفنان جمال السجينى أثرا ودورًا مهمًا فى تكوين وعيها المبكر. فقد تأثرت به من خلال الملاحظة المباشرة لعمله، وكذلك تأثرت بمكتبته الضخمة. تروى فى أحد أحاديثها أنها كانت تُكلف بترتيب هذه المكتبة وتنظيفها، وخلال ذلك بدأت علاقتها بالكتاب تتشكل، ومن خلاله تعرّفت مبكرًا على الفن المصرى القديم، الذى أصبح أحد روافدها الأساسية لاحقًا.
تخرجت زينب السجينى فى كلية الفنون الجميلة عام 1956، قسم الفنون الزخرفية، ثم المعهد العالى للتربية الفنية عام 1957، وحصلت على الدكتوراه عام 1978، وتولت منصب رئيس قسم التصميمات بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان. وقد اختارت مسار التصوير بدلًا من الديكور، بحثًا عن حرية التعبير، وهو ما شجعها عليه زوجها الفنان الراحل عبد الرحمن النشار.
وبخلاف الفن المصرى القديم الذى تفتح عليه وعيها من خلال مكتبة عمها جمال السجينى، تأثرت السجينى بالفن الإسلامى، وهو ما يتجلى فى دراستها الأكاديمية، حيث حصلت على الدكتوراه فى موضوع «أسس تصميم المنمنمة الإسلامية فى المدرسة العربية وأثره فى تدريس مادة التصميم لمعلم التربية الفنية».  والحقيقة أن من يتابع تجربة السجينى يجدها مولعة بمصر وتفاصيلها وتراثها؛ فالتراث فى أعمالها كما يذكر الناقد صلاح بيصار يمثل نبعا خصبا، وهى تعيش داخل هذا التراث، تعيش بريقه وسحر طقوسه تبحث عن سر الأيقونة، أى أيقونة، فكل عصر فى مصر له سحره، وبريقه الخاص وله سماته وجمالياته، ولكن فى النهاية هناك اتصال وتواصل يجسد الروح المصرية وهناك لغة جديدة بلمسة حديثة».
رموز
ويمكن قراءة تجربة زينب السجينى بوصفها تجربة وثيقة الصلة بالواقع، لا تنقله بشكل مباشر، بل تعيد صياغته فى بناء رمزى وإنسانى عميق. فقد تفاعلت مع الأحداث المحيطة بها، لكنها لم تلجأ إلى التعبير التسجيلى، وإنما إلى استبطان الأثر النفسى لهذه الأحداث. وفى هذا السياق، يشير تلميذها أحمد عبد الكريم إلى تأثرها بموضوع الزلازل فى مصر، وما حمله من انعكاسات فى أعمالها المرتبطة بالخوف والحماية، خصوصًا فى صورة الأم التى تحتضن أبناءها بوصفها فعلاً وجوديًا للحفاظ على الحياة.
كما يشير عز الدين نجيب إلى أن الأمومة التى ظهرت فى أعمال السجينى لم تكن فقط عطاء وحضناً دافئاً، بل حماية وإنقاذاً وفداء للأبناء من المخاطر، وهذا ما يتضح فى اللوحات التى استوحتها من حادث السيول الذى أصاب مصر، لكنها تجاوزت الحدث المباشر إلى الرمز الإنسانى الشامل. مضيفا «لم يكن حادث السيول وحده الذى حرك قريحتها الإبداعية وعاطفتها الوطنية للتعبير عن انتمائها العميق، بل نرى هذا الحس بالانتماء فى أعمالها منذ مراحلها الأولى، خاصة بعد نكسة 1967، التى انعكست فى العديد من لوحاتها، فى صورة أناس يقتلعون من جذورهم، أو يقفون فى حالة انعدام الوزن، ويناضلون للتشبث بالأرض أو لحفظ التوازنات، وفى عيونهم يبدو الإحساس بالضياع، والخوف من مصير مجهول، والحزن على ما راح».
 ويتجلى ارتباطها بالأحداث أيضًا فى كلمتها التى تصدّرت كتالوج معرضها بقاعة الزمالك للفن عام 2011، حيث قامت بتغيير اسم معرضها خصيصا لتقول فى كلمتها آنذاك: «كان من المفترض إقامة هذا المعرض فى 2010 تحت مسمى «أنا وعروستى»، غير أن الأحداث التى عشناها فى هذه الفترة وما تلاها من تداعيات جعلتنى أؤجل هذا المعرض حتى تتضح الأمور وأعد بعض الأعمال المناسبة لهذه المرحلة الهامة من تاريخنا». ويعكس هذا القول وعيها بدور الفن كوسيلة للتفاعل مع اللحظة التاريخية. 
وقد استمرت هذه الحالة من التفاعل مع الواقع فى أعمالها اللاحقة، حيث تشير فى مقدمة معرضها عام 2014 إلى «موجات من القلق والخوف تتلاعب بنا بين اليأس والأمل»، لكنها، فى الوقت ذاته، لا تتخلى عن نزعتها نحو الأمل، إذ تقول: «نثق فى داخلنا أن هذا الشعاع لن يخبو وسوف يشرق علينا انعكاسًا لتماسكنا، كلٌّ فى إطار موقعه»، مضيفة: «إن شعاعنا عنيد، سوف يشرق وينمو ويملأ بيتنا دفئًا وسلامًا».
الواقع والحلم
وربما سعيا نحو الأمل والطمأنينة نرى الحمامة كثيرا فى أعمالها؛ أراها دائما فأشعر بالسلام وكأنها ذلك الملاك الحارس الذى يرافق بطلاتها فى لحظات القلق، وليست الحمامة وحدها هى الرمز المتكرر فى أعمال السجينى إذ تتجلى الرموز بما تحمله من معانٍ نفسية ودلالية عميقة.. فمثلا هناك السمكة رمز الخير؛ كما نجد الأشجار لا سيما تلك الأشجار الضخمة الممتدة الجذور أو النخيل، تحيل إلى فكرة الثبات والانتماء، والكتاب الذى تتشبث به الطفلة أو المرأة لا يُقرأ فقط بوصفه عنصرًا معرفيًا، بل كرمز للوعى والتنوير. أما البيت فى أعمالها، فيتجاوز كونه فضاءً مكانيًا ليصبح معادلًا بصريًا لفكرة الاحتواء الجماعى، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مشهد إنسانى مشترك. وفى هذا السياق، تظهر المائدة كأحد أهم مفرداتها الرمزية؛ التي تتحول إلى مكان للالتقاء والحوار وتبادل الخبرات. كذلك تكتسب العروسة حضورًا لافتًا فى أعمالها، خاصة إذا ما استحضرنا العنوان الذى كان من المفترض أن تطلقه على أحد معارضها «أنا وعروستى». فالعروسة رمز مركب يحمل دلالات متعددة. قد تحيل إلى الطفولة بوصفها مساحة للبراءة، لكنها فى الوقت ذاته تعكس صورة المرأة كما تُشكَّل اجتماعيًا، بين الاحتواء والقيود.
وهكذا، تتكامل هذه المفردات وتتصل الحمامة، والسمكة والكتاب، والشجرة، والبيت، والمائدة، والعروسة لتشكّل لغة بصرية خاصة لدى زينب السجينى، تقوم على تحويل اليومى والمألوف إلى علامات دالة، تُعبّر عن الإنسان فى هشاشته وقوته، فى قلقه وأمله، وتؤكد أن تجربتها، وإن انطلقت من الواقع، فإنها تتجاوزه دومًا إلى مشهد ثرى غنى ومفتوح على قراءات متعددة. ففى عالمها، لا تنفصل اللوحة عن الحياة، ولا ينفصل الإنسان عن واقعه، بل يتداخلان داخل بناء بصرى تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والحلم.