فى كتابه «فلسفة السيرة الذاتية: الجسد والنص» يتساءل المؤلف أكاش سينه رازور لماذا تعتبر السيرة الذاتية شكلاً فريدًا حقًّا من أشكال الأدب.
لم يكن التماهى مع المألوف يومًا من سماتى. وتعريفنا للمألوف هو نتاج التنشئة الاجتماعية عبر مؤسسات مختلفة: الأسرة، المدرسة والجامعة، العمل، وبالطبع عبر التليفزيون ووسائل الإعلام الأخرى، ولا ننسى الكتب. من محاسن الكتب أنها، على عكس المؤسسات، ومعظم وسائل الإعلام الأخرى، تمتلك قدرة هائلة على زعزعة مفهومنا الجامد للمألوف، وتحدى معتقداتنا الراسخة، وتقويض ما كنا نظن أننا نعرفه، وتعريفنا بأساليب جديدة فى التصرف وفى التعامل مع الحياة. كما أن صمتها، وحضورها البصرى الهادئ -على نقيض وسائل الإعلام الصاخبة- يمنحانها نوعًا من البراءة، وهو ما دحضه التاريخ مرارًا. هذه السمة الفريدة للكتب، ببساطتها وتأثيرها العميق، هى جزء مما يمنحها بقاءها اليوم، حتى فى عصرنا الرقمى.
كيف تكون غير عادى
سواء أكانت غرابة أطوارى ناتجة عن فشل فى التنشئة الاجتماعية، أم مجرد غرابة عشوائية، فإنها تظل لغزًا عجزت عن حله. لكن نشأتى قبل عصر الإنترنت جعلتنى ألجأ -بطبيعة الحال- إلى الكتب لأتأقلم مع الاختلافات الواضحة بينى وبين من حولي. قدمت لى الروايات ملاذًا، وعلمتنى فى النهاية التمييز بين الوحدة والعزلة، وهما عنصران أساسيان فى حياة الكاتب. أما الكتب غير الروائية، فقد منحتنى معرفة، تشبه القوة؛ قوة الوصول، وقوة التميز، والأهم من ذلك كله، قوة تحويل الخجل الاجتماعى المنهك إلى نوع من غرابة أطوار مقبولة عند المفكر المبدع.
لكن أدب السيرة، قبل كل شىء، هو ما علمنى كيف أستمتع بكونى غير عادى. فلطالما التهمت السير الذاتية؛ كتابات حياة أشخاص مثاليين تحدوا التوقعات الاجتماعية، وقدموا لنا نموذجًا لكيفية ولماذا من الضرورى أن سعى لنكون مختلفين. صحيح أن هناك نحو ستين نوعًا موثقًا من الكتابة السيرية، لكن ليس جميعها يقدم نماذج للتحدي، أو أمثلة على الشخصيات غريبة الأطوار. وعلينا أن نتذكر أيضًا أن العديد منها، مثل سيرة آندى وارهول الغامضة، «فلسفة آندى وارهول»، مليئة بالمعلومات المضللة.
«كان الناس يقولون. إننى أحاول «خداع». وسائل الإعلام عندما كنت أقدم سيرة ذاتية لصحيفة، وسيرة مختلفة لصحيفة أخرى… كنت أحب أن أقدم معلومات مختلفة لمجلات مختلفة».
لكن فى كثير من الحالات المهمة، تميل الكتابة السيرذاتية إلى كشف البنية الخفية لروح نموذج بديل، وكأنها طريقة فى الوجود تتجاوز القيود التى تفرضها مؤسسات نجد أنفسنا وقد تشكلنا فيها -دون وعي- وننصاع لها، وتتمثل وظيفتها فى جعلنا عاديين، وغير مؤذين، وقابلين للإدارة، ومطيعين.
تحطيم الصور النمطية
يمكن للكتابة السيرذاتية أن تغذى خيالنا، وتدعم سعينا إلى وراء ما يعد غريبًا اجتماعيًّا لكنه ضرورى على المستوى الشخصي. مثلاً، كتبت سابقًا فى سكرول إن Scroll.in عن تحولى من فيلسوف أكاديمى إلى رياضى -Ironman- فى سباقات الترايثلون. وبفضل قدر كبير من التدريب البدنى الإضافى -سواء تمارين المقاومة (رفع الأوزان الثقيلة)، أو تمارين التحمل (السباحة وركوب الدراجات والجري)- أصبحت الآن من الرياضيين المتصدرين فى الهند.
بالنسبة لفيلسوف، أى باحث يقضى أيامًا طويلة صامتًا فى مكتبات كئيبة، منكبًا على لابتوبه من أجل البحث والكتابة، فهذا المستوى من اللياقة البدنية هو بلا شك أمرًا غير مألوف. ولا تظن أن أحدًا يدعنى أنسى ذلك: ففى الجامعة، دائمًا ما يشكك أعضاء هيئة التدريس فى مؤهلاتى كمفكر، إذ إن خيالهم المحدود لا يتصور أن بإمكان المرء أن يعيش حياة العقل وفى الوقت نفسه يعتنى بالجسد. وفى الچيم، يبتسم لاعبو كمال الأجسام بسخرية معلقين: «ها هو الفيلسوف قادم لحصة رفع الأثقال»؛ فهو نشاط يرونه حكرًا على أمثالهم من الضخام مفتولى العضلات.
قارن هذا بالسيرة الذاتية لـيوكيو مشيما، فهى شهادة تجعلهم جميعًا حمقى. فعلى الرغم من أنه أحد أبرز الأدباء فى اليابان، كان ميشيما مبارزًا بالسيف بمستوى أوليمبي، ولاعب كمال أجسام. عقل متفوق، وكاتب أبرع من جميع منافسيه؛ ورياضى بارع، ومقاتل أقدر من جميع منافسينه، هكذا تظهر حياة ميشيما محدودية خيال من لم يحلموا قط بما يكمن وراء المألوف. وكما يكتب:
«الجسد والروح لم يمتزجا ولم يتشابها قط. لم أجد فى العمل البدنى ما يضاهى الرضا المخيف الذى توفره المغامرة الفكرية. ولم أختبر فى المغامرة الفكرية حرارة العمل البدنى المضحية، ولا ظلامه الحارق. لا بد وأن يكون بينهما رابط ما».
لذا، فسيرة ميشيما الذاتية، «الشمس والفولاذ»، مرجع قيم لمن يسعى إلى التناغم بين القلم والسيف؛ أى بين حياة العقل والثقافة البدنية. فهى تعلمنا فضائل لم نكن نعرف بوجودها.
فلسفة السير الذاتية
ثمة أمثلة لا حصر لها من سير ذاتية لا تبرر المساعى غير المألوفة فحسب، بل تحث عليها وتلهمها. لهذا فكتابات السير الذاتية من أقوى الكتب التى يمكن للمرء قراءتها، لما فيها من قدوة وإرشاد وإلهام. نشأت على قرائتها، كحاجة أكثر منها خيارًا، ولجميع هذه الأسباب، أقضى الآن وقتًا طويلاً فى الكتابة عنها أيضًا.
وكتابى الأخير «فلسفة السيرة الذاتية: الجسد والنص»، من بين ستة كتب فقط نشرت على الإطلاق فى فلسفة السيرة الذاتية، وهو الدراسة الوحيدة المتخصصة فى هذا المجال. كما أنه العمل الوحيد الذى يضم سير ذاتية من مختلف أنحاء العالم -ألمانيا، الهند، الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، إسرائيل، وغيرها- من خلفيات اجتماعية ودينية متنوعة (المسيحية، الهندوسية، البوذية، الإسلام، اليهودية)، ومن توجهات جنسية مختلفة. بتنوع مذهل، يغطى الكتاب أكبر عدد ممكن من أنماط الوجود المختلفة، ويقدم نماذج ملهمة حافزة وتجسد مختلف التطلعات.
وقد اخترت كتابته بأسلوب سردى حميمى يعكس، فى بعض جوانبه، فعل كتابة السيرة الذاتية نفسه. فهو عمل يناسب السياق الأكاديمي، وفى الوقت نفسه شخصى ومثير للتأمل، ليصبح فى متناول القراء من جميع الخلفيات، وليس فقط الفلاسفة.
تتمحور فكرة الكتاب الرئيسية حول أن السيرة الذاتية ليست مجرد سرد لقصة حياة شخصية، بل هى كذلك إبراز للتجارب الحياتية للمؤلف، ويتوسطها الجسد (ومن هنا جاء العنوان الفرعى للكتاب: الجسد والنص). فالجسد هو المادة التى تشكل جميع إمكانياتنا. وفى كل سيرة ذاتية يتناولها هذا الكتاب، يحتل جسد المؤلف الفريد مكانة مركزية.
يتألف الكتاب من اثنى عشر فصلاً، يتناول كل منها سيرة ذاتية لكاتب. بدءًا من الفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه، ثم غاندي، وأمبيدكار، ومارى أنجيلو، وإرنست همنجواي، وإيلى ويزل، ودايا باوار، وكامالا داس، ويوكيو ميشيما، وآندى وارهول، وآرت شبيجلمان، ومارجان ساترابي. ويكشف تدريجيًّا عن الخيط الذى يربط بين كتابات السيرة الذاتية للفلاسفة والناشطين والفنانين والسياسيين، وغيرهم. وهذا الخيط موجود فى الجسد. الجسد كرباط بين الكلمة والروح.
بإضفاء الحيوية على الكلمات يجسد الأشخاص المتميزون قصصهم، وسيرهم الذاتية، بحكايات ونصوص تحرر خيالنا من القوالب الجاهزة، وتكشف عن مدى ثراء الحياة، وتجاوزها للحدود الطبيعية.
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
راهب بيت لحم







