فى لحظة حساسة من مسار التوترات الدولية، عُقدت قمة مضيق هرمز فى العاصمة الفرنسية باريس برئاسة رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر والرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون وحضور المستشار الألمانى فريدريش ميرتس ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى، وشارك عبر الفيديو نحو 40 دولة من بينها كوريا الجنوبية وأستراليا واليابان وأعضاء فى حلف الناتو.
اقرأ أيضًا| الغرف العربية تحذر من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي
ورحّب قادة فرنسا والمملكة المتحدة الجمعة بإعلان إيران والولايات المتحدة إعادة فتح مضيق هرمز، لكنهم شددوا على ضرورة استعادة حرية الملاحة بشكل دائم فى هذا الممر النفطى الحيوى الذى تعطّل بسبب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وقال الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء كير ستارمر إنهما سيواصلان التخطيط لمهمة دولية تهدف إلى استعادة الأمن البحرى، والتى قال ستارمر إنه سيتم نشرها «بمجرد أن تسمح الظروف بذلك». كما أشارا إلى أن المخططين العسكريين سيجتمعون فى لندن الأسبوع المقبل.
وكانت فرنسا قد رفضت اقتراحا بريطانيا يقضى بحضور مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، وأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الاجتماع فى باريس، وأشارت مصادر مطلعة إلى أن قصر الإليزيه حذف اسمى روته وفون دير لاين مرتين من قائمة المدعوين التى اقترحها ستارمر، إذ تفضّل فرنسا قصر المشاركة على رؤساء الحكومات.
وقد عملت هذه القمة، التى لم تشارك فيها الولايات المتحدة، على احتواء تداعيات واحدة من أخطر أزمات الملاحة العالمية فى السنوات الأخيرة، وذلك عقب إقدام إيران على إغلاق المضيق رداً على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على أراضيها.
فقد أدى إغلاق المضيق، الذى يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحرى وتعطّل سلاسل الإمداد، فضلاً عن تقلبات حادة فى أسواق الطاقة، مما دفع القوى الصناعية الكبرى إلى البحث عن آلية جماعية تضمن استعادة تدفق التجارة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
اقرأ أيضًا| الناتو يرحب بتقدم الجهود لإنهاء الحرب في أوكرانيا بعد توقيع "إعلان باريس"
وجاء انعقاد هذه القمة فى ظل تصاعد التوتر بعد تعثر محادثات التهدئة بين طهران وواشنطن، وإعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فرض إجراءات لمنع السفن المرتبطة بإيران من عبور المضيق، فى خطوة هدفت إلى زيادة الضغط على طهران لدفعها نحو اتفاق جديد بشأن برنامجها النووى، وإعادة فتح هذا الممر الحيوى.
وتُعد هذه القمة بمثابة رد على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى انتقد حلفاءه لعدم مشاركتهم فى الحرب، واعتبر أن إعادة فتح المضيق ليست مسئولية الولايات المتحدة، واصفا الحلفاء بـ»الجبناء»، ومشيرا إلى أن الناتو «لم يكن موجودا عندما احتجنا إليه»، وقال لبريطانيا: «حتى إنكم لا تملكون قوة بحرية»، وكان ترامب قاسيا بشكل خاص فى انتقاد ستارمر، إذ قال إنه «ليس ونستون تشرشل»، وشبهه بنيفيل تشامبرلين رئيس الوزراء البريطانى قبل الحرب العالمية الثانية الذى مارس سياسة الاسترضاء تجاه هتلر.
وقد أكد القادة المشاركون فى القمة دعمهم وقف إطلاق النار الهش فى المنطقة، وضمان إعادة فتح وتأمين طرق الشحن عبر المضيق على المدى الطويل، بما يكمّل الجهود الدبلوماسية الجارية لتعزيز السلام، كما شملت مناقشاتهم دعم العمل الحيوى الذى تقوم به المنظمة البحرية الدولية لضمان سلامة البحّارة والسفن.
وبرز فى القمة توافق بريطاني-فرنسى واضح على ضرورة تجنب التصعيد العسكرى المباشر، مع التأكيد على أهمية ضمان حرية الملاحة، وقد عبّر الطرفان عن رفضهما الانخراط فى أى إجراءات أحادية قد تؤدى إلى تعقيد الأزمة، مفضلين العمل ضمن إطار متعدد الأطراف يوازن بين الحضور الأمنى والجهد الدبلوماسى.
وفى هذا الإطار، شدد رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر على ضرورة بذل جميع الجهود الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية لدعم وقف إطلاق النار، مؤكدا على «إعادة فتح المضيق فورا ودون شروط مسئولية عالمية، وعلينا التحرك لإعادة تدفق الطاقة والتجارة العالمية بحرية من جديد».
وأضاف قائلا: «أنا وإيمانويل ماكرون واضحان فى التزامنا بإنشاء مبادرة متعددة الجنسيات لحماية حرية الملاحة، ويجب أن نطمئن الشحن التجارى وندعم عمليات إزالة الألغام لضمان عودة الاستقرار والأمن العالميين.»
ومن جانبه، شدد ماكرون على أن أى تحرك محتمل سيكون فى إطار «مهمة دفاعية بحتة» ومنفصلة عن أطراف النزاع، معتبراً أن الهدف يتمثل فى إنشاء آلية متعددة الجنسيات ذات طابع سلمى، يمكن تفعيلها عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك.
وبحثت القمة إمكانية إنشاء مهمة بحرية متعددة الأطراف تهدف إلى تأمين مرور السفن التجارية وتقديم الدعم اللوجستى والاستخباراتى، دون الانخراط فى عمليات قتالية مباشرة، على أن يظل تنفيذ هذه المبادرة مرتبطاً بمدى توافر حد أدنى من التهدئة على الأرض، بما يقلل من مخاطر الاحتكاك مع القوات الإيرانية.
وفى المحصلة، لم تفضِ القمة إلى حل نهائى للأزمة، لكنها أرست إطاراً أولياً للتعامل معها، قائماً على مزيج من التنسيق الدولى والحذر الاستراتيجى، كما عكست محاولة أوروبية لتعزيز دورها فى إدارة الأزمات الدولية، دون أن يعنى ذلك حدوث تحول جذرى فى موازين القوى العالمية، بقدر ما يعكس سعياً تدريجياً لزيادة الحضور والتأثير فى مرحلة دولية تتسم بتعقيد متزايد وتشابك فى المصالح.
ورغم التوافق الفرنسى البريطانى فى القمة، برز تباين بين الجانبين حول مسألة إشراك الولايات المتحدة فى المبادرة، إذ يتبنى الجانب الفرنسى موقفا يدعو إلى استبعاد واشنطن باعتبار أن مشاركتها قد تجعل المهمة غير مقبولة لدى طهران وتدفع إيران نحو مزيد من التشدد، فى حين يعبر المسئولون البريطانيون عن مخاوفهم من أن يؤدى هذا الاستبعاد إلى إغضاب الرئيس دونالد ترامب، بما قد ينعكس سلبا على نطاق العملية ويحد من فعاليتها.
وقد انحازت ألمانيا إلى الموقف البريطانى حيث قال المستشار الألمانى فريدريش ميرتس إنه يرغب فى مشاركة الولايات المتحدة فى مهمة تقودها أوروبا لتأمين حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفى حديثه عقب مؤتمر دولى فى باريس حول تأمين المضيق، أوضح ميرتس أن ألمانيا يمكن أن تساهم بقدرات فى إزالة الألغام والاستخبارات البحرية ضمن هذه المهمة، لكنها ستحتاج إلى دعم برلمانى و»أساس قانونى قوى»، مثل قرار من مجلس الأمن الدولى.
وأضاف أنه «إن أمكن، تود ألمانيا أيضا أن تشارك الولايات المتحدة الأمريكية، ونعتقد أن ذلك سيكون أمرا مرغوبا».
وكانت مصادر أوروبية مسئولة قد نفت الاقتراحات التى تفيد بأن أوروبا تحاول تهميش إدارة ترامب، مؤكدة أن الولايات المتحدة أُبقيت على اطلاع بالقمة، وأن هناك تنسيقا واسعا مع واشنطن، حتى وإن كانت المهمة الناشئة تقتصر حاليا على الدول «غير المنخرطة فى النزاع».
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







