فوق الشوك

سمير غريب.. 50 عامًا فى قطار الثقافة

شريف رياض
شريف رياض


كانت فرحته لا توصف وهو يقول لى «مش حا تصدق فرحتى وأنا أرى أولادى الثلاثة حولى لأول مرة»!!
 

ودعت منذ أيام أخًا وصديقًا عزيزًا على مدى 55 عامًا هو الكاتب والناقد الثقافى والفنى سمير غريب زميل الدفعة الأولى بكلية إعلام القاهرة «1975» الذى كانت تربطنى به عاطفة لا أستطيع أن أصفها لكنها كانت دائمًا موصولة بيننا حتى وإن تباعدت لقاءاتنا واقتصر تواصلنا عبر الهاتف.

رحل سمير غريب بعد صراع مع السرطان، قاومه بشدة، لكن إرادة الله كانت أقوى بعدما انتشر المرض فى جسده النحيل واختطفه الموت ليلحق بحب عمره زوجته الأولى «سامية» التى سبقته إلى دار الحق متأثرة بنفس المرض منذ سنوات طويلة ورأيته فى جنازتها بمسجد د. مصطفى محمود يبكى كالأطفال ولا تقوى قدماه على حمله، غير مصدق أنه لن يراها مرة أخرى.. رحلت «سامية» وتركت له ابنة وحيدة هى «ياسمينة» التى أصبحت الآن حرم الفنان الموسيقار العالمى هشام نزيه الذى أبدع موسيقى احتفالية افتتاح المتحف المصرى الكبير التى أبهرت العالم ومن قبلها موسيقى موكب المومياوات فى افتتاح متحف الحضارة عام ٢٠٢١.

وبعد وفاة «سامية» بسنوات ارتبط بزوجته الثانية وكانت سويسرية الجنسية وأنجب منها ولدين كريم «22 عامًا» ومالك «16 عامًا» وكانا يقيمان معه فى نفس الفيللا التى بناها فى 6 أكتوبر.

ومع بدء معاناته من مرض السرطان كان وجود ابنته «ياسمينة» وولديه «كريم ومالك» فى حياته الشىء الوحيد الذى يخفف عليه آلام المرض.. ومنذ عامين تقريبًا حدثت خلافات بينه وبين والدة كريم ومالك وانفصلا وسافرت إلى النرويج ومعها الابن الأصغر مالك بينما سافر الابن الأكبر كريم بعدما أنهى دراسته الجامعية للعمل بالخارج.. وانتقلت «ياسمينة» للإقامة مع والدها لرعايته.

وفى الفترة الأخيرة كنت دائم التواصل مع سمير للاطمئنان عليه يشاركنى فى ذلك الصديق والزميل الكاتب الصحفى أحمد السرساوى مدير تحرير «أخبار اليوم» الذى كانت تربطه صداقة قوية بسمير.. وأذكر جيدًا كيف فاجأنى سمير فى أول رمضان الماضى بقوله «حدثت لى مفاجأة أمس مفرحة جدًا.. فوجئت بكريم ابنى يفتح باب الفيللا بمفتاحه الخاص ويدخل علىّ دون أن يخطرنى مسبقًا.. لقد أسعدتنى جدًا هذه المفاجأة» بعدها بأيام قليلة قال لى إن مالك أيضًا وصل القاهرة.. وكانت فرحته لا توصف وهو يقول لى «مش حاتصدق فرحتى وأنا أرى أولادى الثلاثة حولى لأول مرة».

تحت يدى أوراق متفرقة لمذكرات كان ينوى كتابتها عن مسيرته الحياتية وكان على وشك أن يختار لها عنوانا «50 عامًا فى قطار الثقافة» هذا القطاع الذى أفنى عمره فى خدمته. لكن للأسف المذكرات لم تكتمل وكان المفترض أن تتضمن فصلًا بعنوان «عائلتى وأسرتى» تحدث فى بدايته عن أبنائه الثلاثة «ياسمينة وكريم ومالك».. وفى الجزء الخاص بمالك تحدث عن زيارتهما معًا للمتحف المصرى الكبير قبل الافتتاح، حيث أوضح أنهما بالطبع لم يدخلا المتحف لكنه كان حريصًا أن يرى مالك المبنى المتميز من الخارج ويشاهد البهو الرائع وما فيه من تماثيل عملاقة.
ما هى حكاية الـ55 عاما فى علاقتى بسمير غريب؟

عرفت سمير منذ التحاقنا بالسنة الأولى بكلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1971 «وكانت تسمى فى ذلك الوقت معهد الإعلام».. كان طالبًا هادئًا تبدو عليه بوادر التذوق والنقد الفنى.. كان عاشقًا للقراءة خاصة كتب الفن التشكيلى.. وبعد تخرجنا عام 1975 عمل صحفيًا بالأخبار لمدة 13 عامًا مندوبًا بوزارة الثقافة حتى عام 1988، عندما تزوج فى حفل بسيط بمنزل سامية حضرته أنا والكاتب الصحفى أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام فيما بعد.. سافر سمير إلى باريس مع زوجته لاستكمال دراستها العليا، حيث أقام لمدة 4 سنوات منذ 1979 -1983 عمل خلالها صحفيًا فى مجلة المستقبل الأسبوعية وخلال هذه الفترة حصل على دبلوم من المعهد الدولى للصحافة فى باريس عام 1985.

بعد عودته للقاهرة وكان صديقًا للفنان فاروق حسنى ويلتقيان فى مقهى شهير بباب اللوق وحضرت أنا لقاءين من هذه اللقاءات حدث أن عين فاروق حسنى وزيرًا للثقافة فى أكتوبر 1987 فاختار سمير غريب مستشارًا للوزير حتى عام 1999.. وفى نفس الفترة أصبح سمير أول مدير لصندوق التنمية الثقافية طوال الفترة من 1990 حتى 1999 بعدها ترأس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية من 1999 حتى 2002 ثم أصبح أول مصرى يرأس الاتحاد العربى للوثائق ثم تولى منصب مدير الأكاديمية المصرية للفنون بروما من 2002- 2004 بعدها ترأس مجلس إدارة الجهاز القومى للتنسيق الحضارى عام 2004.

ألّف سمير العديد من الكتب خاصة المتعلقة بالفن التشكيلى.

رحم الله عاشق الثقافة سمير غريب وأسكنه فسيح جناته.