«غالبًا ما يُطلق عليه «الكذب الصادق»، حيث يصدق المريض هذه القصص المختلقة فعلاً، وتُستخدم لملء الفجوات فى الذاكرة».
فى معظم الحروب التى خاضتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كانت تجد لنفسها المبرر الاخلاقى والقانونى لشن هذه الحروب، وكانت تحرص على تكوين تحالفات دولية حتى تمنح حروبها الشرعية والدعم الاعلامى والسياسى وأيضا المادى.
فى حرب فيتنام كان المبرر وقتها هو تقديم الدعم للجنوب الديمقراطى فى مواجهة الشمال الشيوعى خوفا من سيطرة الشيوعية على فيتنام بأكملها وانتقالها بعد ذلك الى سائر بلاد جنوب وشرق آسيا.
وفى الحرب على العراق كان المبرر هو منع صدام حسين من امتلاك أسلحة دمار شامل وانقاذ الشعب العراقى ودول الجوار من حاكم ديكتاتور..
وفى الحرب على افغانستان كانت هناك لافتة عريضة وبراقة تحمل شعار: الحرب على الإرهاب واستئصال تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
ولكن الأمر اختلف تماما فى الحرب الأخيرة على إيران، فهى حرب غير مبررة على الإطلاق، ولم يجد العالم كله سببا لها سوى إرضاء نتنياهو وتحقيق رغبته فى تفتيت كل القوى الاقليمية الكبرى فى منطقة الشرق الأوسط.
وأكبر دليل على عدم مشروعية وعدم منطقية هذه الحرب ابتعاد أقرب حلفاء الولايات المتحدة التقليديين مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا عن المشاركة فى هذه الحرب حتى لو عن طريق توفير الدعم اللوجيستى للقوات الأمريكية المشاركة فى العمليات العسكرية ضد إيران.
تصريحات ترامب نفسها عكست ارتباكا شديدا يعيشه حاكم أكبر دولة فى العالم، فهو يناقض نفسه فى التصريح الواحد عدة مرات.
ترامب أعلن عقب الضربات التى وجهتها الولايات المتحدة للمنشآت النووية الإيرانية فى حرب الـ12 يوما العام الماضى إنهاء المشروع الايرانى للأبد، فلماذا عاود شن الحرب على إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووى رغم تأكيداته هو شخصيا بإنهاء المشروع النووى الايراني؟!
ترامب كشف عن غرضه الحقيقى عندما أعلن صراحة أنه يريد النفط الايرانى، وهذا يعنى أن حجة حرمان إيران من امتلاك سلاح نووى حجة واهية شأنها شأن امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل.
سيطرة ترامب على النفط الإيرانى بعد نجاحه فى السيطرة على النفط الفنزويلى تعنى تحكمه فى معظم مصادر الطاقة فى العالم، وهذا هو الهدف الأهم بالنسبة لعقلية رجل مال وأعمال مثل ترامب تعنيه المكاسب المادية قبل الاعتبارات السياسية، وهذا هو الاختلاف الوحيد بينه وبين نتنياهو، فترامب رجل براجماتى يترجم كل خطواته إلى أرباح مادية وغنائم اقتصادية، بينما نتنياهو رجل سياسة ويهودى متطرف تحكمه الايديولوجية التوراتية المرتبطة بزيادة المساحة الجيوسياسية لاسرائيل ويرغب فى تخليد اسمه بين السياسيين الذين لعبوا دورا مؤثرا فى تاريخ الدولة اليهودية مثل تيودور هرتزل وبن جوريون.
فى النهاية هى حرب سيئة السمعة يرغب الجميع فى غسل أيديهم من تبعاتها مثل الطفل المولود سفاحا ويتهرب الجميع من نسبه إليهم، خاصة أن والديه حيَّان وموجودان وهما ماما أمريكا وبابا إسرائيل، وإليهما تُنسب هذه الحرب اللقيطة.
المحللون والمراقبون
اختلف المحللون والمراقبون فى الحكم على شخصية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى يدير أكبر دولة فى العالم وهل ينفذ مخططا قديما تم إعداده فى الغرف المغلقة للسيطرة على مصادر الطاقة فى العالم.
المتابع لتصريحات ترامب وأفعاله يحكم من اللحظة الأولى أننا أمام شخص يحرص على إطلاق التهديدات باستمرار، ولا يمل ترامب من تكرار عبارة أننا نملك الجيش الأقوى فى العالم بلا منازع، فى رسالة تهديد وإرهاب لكل من يجرؤ على رفع إصبعه فى وجه أمريكا.
تصريحات وتغريدات
يرى بعض المحللين أن هذا يدرك جيدا ماذا يقول ويفعل، بدليل أن ثروته تضاعفت بقيمة 180% منذ دخوله البيت الأبيض، وهناك من يربط بين تغريداته وحركة الأسهم فى البورصات العالمية صعودا وهبوطا إلى جانب تحقيق شركات المراهنات التى يمتلك ابنه جونيور ترامب واحدة منها أرباحا هائلة بملايين الدولارات، وهذا يعنى أن كل تغريدة تعنى تدفق ملايين الدولارات إلى خزائن ترامب.
وهناك من يرى أن حلم السيطرة الأمريكية على مصادر الطاقة فى العالم كان يراود كل الساسة الأمريكان منذ عقود ولكن كان هناك حد أدنى من المعايير الأخلاقية والقانونية يلتزم بها الرؤساء السابقون المتعاقبون على البيت الأبيض تمنع هذه القرصنة المباشرة، ولكن الدولة العميقة فى الولايات المتحدة وجدت ضالتها أخيرا فى هذا الترامب باعتباره رجلا براجماتيا لا يعترف بأى قيم أخلاقية ومهووسا بالسيطرة واستعراض القوة لتنفيذ كل المخططات القديمة فى أدراج البنتاجون والسى آى إيه.
وها هو ينفذ ببراعة كل ما كان مستحيلا على الرؤساء السابقين حيث وضع يده على البترول الفنزويلى واعتقل رئيسها من داخل غرفة نومه، وتوجه بعدها الى البترول الايرانى محاولا السيطرة عليه والتحكم فيه، وسينتقل بعدها الى جرين لاند التى تحظى باحتياطيات هائلة من المعادن النادرة التى تحتاج إليها كل الدول الصناعية الكبرى.
وفى غمرة زحفه وسيطرته على مصادر الطاقة فى العالم ليس هناك ما يمنع من إرضاء الروس وإسكاتهم برفع العقوبات عن بيع البترول والغاز الروسى وإنعاش الخزينة الروسية بأموال طائلة تعوضها عن سنوات التجميد والمقاطعة، ليس هذا فقط بل إطلاق يدها فى أوكرانيا لتكمل مهمتها هناك باقتطاع ما يقرب من ثلث الأراضى الأوكرانية وضمها رسميا الى روسيا، وأعلنها صريحة قائلا «الحرب الروسية الأوكرانية ليست حربنا».
وبعد اكتمال المخطط بنجاح وتحقيق كل الأهداف المرجوة ليس هناك مانع من التضحية بترامب نفسه من خلال عزله أو محاصرته بالاغلبية الديمقراطية المتوقعة فى الكونجرس وتجريده من أى سلطات حقيقية بحيث يستكمل مدته الرئاسية بدون صلاحيات.
ومن الممكن أن يبادر الساسة الأمريكان بعد انتهاء حقبة ترامب بتقديم الاعتذار إلى كل دول العالم عن حماقات الرئيس السابق التى لا تمثل القيم الأمريكية!
الملف مفتوح
وعلى طريقة الأفلام الهوليوودية الشهيرة ربما يخرج الأمريكان ويذرفون الدموع ويؤكدون أنهم كانوا ضحية لرئيس، غالبًا ما يُطلق عليه «الكذب الصادق»، حيث يصدق المريض هذه القصص المختلقة فعلاً، وتُستخدم لملء الفجوات فى الذاكرة.
ويرتبط ذلك السلوك عادةً بتلف فى الدماغ أو الخرف أو مرض ألزهايمر.
وعلى العالم أن يصدق الرواية الأمريكية ويتقبل اعتذارهم كما حدث بعد كل الحروب الأمريكية فى فيتنام والعراق وأفغانستان.. وما زال القوس مفتوحًا لضم ضحايا آخرين.

علاء عبد الهادى يكتب: اعتراف
حُسن الخاتمة !
ثلاث عشرة سنة على الثلاثين من يونيو






