مجزرة بحر البقر| المأساة التي روتها السينما ورسختها الدراما وجسدت الأغاني أحاسيسها

مجزرة بحر البقر
مجزرة بحر البقر


في صباح الأربعاء 8 أبريل 1970, تحولت مدرسة ريفية صغيرة بمحافظة الشرقية إلى شاهد عيان على واحدة من أبشع الجرائم بحق الطفولة, حين قصفتها طائرات إسرائيلية من طراز فانتوم, مخلفة عشرات الضحايا من الأطفال والمعلمين, في مشهد صادم تجاوز حدود السياسة إلى عمق الإنسانية, ففي ذاكرة الوطن, تبقى بعض الأحداث عصية على النسيان, ولم تكن مجزرة بحر البقر مجرد واقعة عابرة فيسجل الحروب, بل جرحا مفتوحا في الوجدان المصري, دفع الفن بكل أشكاله إلى محاولة استيعاب فداحة الواقعة في محاولة لتخليدها فنيا.

منذ اللحظة الأولى, أدركت القوى الناعمة في مصر أن الحدث لا يمكن أن يختزل في خبر عابر, بل يجب أن يتحول إلى ذاكرة حية, ونجح الفن في تخليد الحدث في الوجدان الشعبي, وتحويله إلى رمز دائم للعدوان على الطفولة، كما ربطه بسياق الصمود الوطني. فجاءت الأغنية كأول استجابة وجدانية, حيث ظلت رائعة “الدرس انتهى لموا الكراريس” بصوت شادية وكلمات صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي, محفورة في الذاكرة, الأغنية لم ترو الحدث فقط بل أعادت صياغته شعوريا, حيث امتزجت براءة الطفولة بصوت الفاجعة.

أماعلى مستوى السينما, فقد كان هناك حضورللمجزرة في عدد من الأعمال التي سعت إلى دمجها في سياق أوسع لحرب الاستنزاف, فجاء فيلم “العمر لحظة” كأحد أبرز الأعمال التي جسدت أجواء ما بعد هزيمة 1967, وتطرق بشكل مباشر إلى مأساة بحر البقر, الفيلم شارك في بطولته كل من ماجدة الصباحي وأحمد مظهر وأحمد زكي, لم يكتف بالسرد الدرامي, بل استخدم الصورة والموسيقى لخلق حالة وجدانية خاصة مع كلمات فؤاد حداد وألحان بليغ حمدي التي وثقت الألم بصوت الوطن للمخرج محمد راضي, ظهرت الحادثة ضمن سياق الهزيمة وإعادة بناء الروح الوطنية.

وفي سياق أكثر إنسانية, جاء فيلم “حكايات الغريب” المأخوذ عن نص للكاتب جمال الغيطاني, ومن تأليف محمد حلمي هلال, ليغوص في الأثر النفسي للمجزرة من خلال شخصية الأب الذي يفقد ابنته, في معالجة تؤكد أن المأساة لم تكن حدثا عابرا, بل صدمة ممتدة في الوعي المصري, الفيلم بطولة محمود الجندي ومحمد منير وشريف منير, ومن إخراج إنعام محمد علي.

أما فيلم “حائط البطولات”, فقد ربط بين المجزرة ومسار بناء القوة العسكرية, مجسدا كيف تحول الألم إلى دافع للثأر واستعادة الكرامة, من خلال قصص الجنود وضباط الدفاع الجوي, الفيلم من بطولة محمود يس وفاروق الفيشاوى, من تأليف مصطفى بدر وإبراهيم رشاد, وإخراج محمد راضى, وتدور أغلب الأحداث حول مأساة ضرب مدرسة بحر البقر من قبل سلاح الطيران الاسرائيلي, مستعرضا علاقات إنسانية متشابكة لضباط وجنود يمرون بمراحل تطوير قوات الدفاع الجوى, ومراحل بناء حائط الصواريخ .

لم تغب المذبحة عن الدراما التليفزيونية, لكنها غالبا حضرت كخيط فرعي, كما في مسلسل “حرب الجواسيس” الذي ربطها بسياق العمل الاستخباراتي, هذا المسلسل مستوحى من قصة حقيقية وهو من بطولة منة شلبي, شريف سلامة, هشام سليم، ومن تأليف صالح مرسي, سيناريو وحوار بشير الديك، وإخراج نادر جلال، حيث لعبت منة شلبى دور البطلة الفدائية “سامية فهمى” التي تعاونت مع المخابرات العامة المصرية للإيقاع بشبكة جاسوسية إسرائيلية حتى انتصار حرب أكتوبر المجيد, وتأتى ذكرى مذبحة البقر في أحد المشاهد بالمسلسل.

 كما استدعت أعمال أخرى روح المأساة, مثل مسلسلي “رأفت الهجان” و”السقوط في بئر سبع”، وإن كان حضورها جاء على هامش الأحداث, في دلالة على ترسخها كرمز للعدوان في الوعي الدرامي.

في مقابل المعالجة الدرامية, جاء الفيلم الوثائقي “الجريمة” ليقدم الرواية كما هي دون تزيين أو إعادة تخيل. واعتمد هذا العمل على شهادات حية للناجين وصور أرشيفية أصلية وتوثيق دقيق لتفاصيل الهجوم, الوثائقي هنا لم يسع لإثارة الدراما بقدر ما سعى إلى تثبيت الحقيقة, ليصبح بمثابة أرشيف بصري يحفظ الذاكرة من التآكل. وقد منح هذا النوع من معالجة الحدث ثقله الحقيقي, بعيدا عن اختزال الدراما أو مبالغتها.

الفن المصري قدم نماذج صادقة ومؤثرة, لكنه لم يواكب تطور أدوات السرد الحديثة بما يكفي لإعادة تقديم المأساة للأجيال الجديدة, فمعظم الأعمال التي تناولت الحدث جاءت في سياق زمني قريب منه, بينما تراجع حضوره في الإنتاج المعاصر, سواء سينمائيا أو دراميا.

فهناك فجوة واضحة بين أهمية الحدث وقلة الأعمال الحديثة التي تعيد قراءته, خاصة في ظل التحولات الكبرى في الصناعة الفنية, واعتماد الأجيال الجديدة على المنصات الرقمية التي تتطلب لغة بصرية وسردية مختلفة.

تبقى مجزرة بحر البقر نموذجا صارخا لقدرة الفن على مقاومة النسيان, لكنها أيضا تكشف حدود هذا الفن في مواجهة مأساة بهذا الحجم, وبين الأغنية التي أبكت الملايين, والفيلم الذي وثق الحقيقة, والدراما التي أعادت سرد الحكاية, تظل الواقعة حاضرة لا كذكرى فقط, بل كاختبار دائم لدور الفن في مواجهة الألم الإنساني.

اقرأ  أيضا: أسرار فيلم «حائط البطولات» الممنوع من العرض .. على التليفزيون لأول مرة

;