◄ الحدث العالمي ينتصر لـ«سينما المؤلف» على حساب النجوم
◄ نقاد: الغياب المصري ليس صدفة بل أزمة مشروع
◄ خبراء: دورة هذا العام تراهن على الفن
قائمة هذا العام لا تقدم مجرد أفلام، بل تعكس اتجاهًا واضحًا نحو سينما أكثر عمقًا وتعقيدًا، حيث تتقاطع القضايا الإنسانية مع الأساليب السردية الجريئة. لكن، فى ظل هذا الزخم العالمي، يبقى الغياب المصرى لافتًا، غياب يفتح بابًا واسعًا للسؤال: أين تقف السينما المصرية اليوم من خريطة السينما العالمية؟
وسط هذا الحضور العالمى الكثيف فى مهرجان “كان”، يبدو الغياب المصرى هذا العام أكثر من مجرد مصادفة عابرة، فعدم مشاركة أى فيلم مصرى فى مختلف أقسام المهرجان مقابل حضور عربى محدود يقتصر على عمل مغربي وآخر فلسطيني يكشف عن فجوة آخذة فى الاتساع بين السينما المصرية ومواقع التأثير الدولية.
هذا الغياب لا يمكن قراءته فقط باعتباره “سوء حظ” فى الاختيارات، بل يطرح تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة ما يُنتج داخل مصر اليوم. هل ما زالت السينما المصرية تراهن على السوق المحلى فقط؟ أم أنها فقدت تدريجيًا قدرتها على مخاطبة العالم بلغة سينمائية حديثة؟
في الوقت الذى تحتفى فيه إدارة “كان” بسينما المؤلف وتبحث عن أصوات جديدة تحمل رؤى مختلفة تبدو الصناعة المصرية عالقة بين معادلتين: أفلام تجارية تسعى للربح السريع، وأخرى محدودة التأثير لا تجد طريقها إلى المهرجانات الكبرى.
◄ اقرأ أيضًا | القومي للسينما يقيم فعاليات نادي السينما المستقلة
◄ غياب المشروع
الأمر لا يتعلق بغياب فيلم بعينه، بل بغياب مشروع كامل، مشروع قادر على المنافسة، وعلى إنتاج سينما تمتلك الجرأة فى الطرح، والخصوصية فى الأسلوب، والقدرة على العبور خارج الحدود. المفارقة أن مصر، بتاريخها السينمائي العريق، كانت يومًا ما لاعبًا أساسيًا فى المشهد، بينما تجد نفسها اليوم خارج واحدة من أهم منصات السينما فى العالم.
في قراءة قريبة من توجهات الصحافة الفرنسية وعلى رأسها Le Monde لا يظهر البرنامج الرسمى لهذا العام مجرد قائمة أفلام، بل بيانًا ثقافيًا واضحًا يعكس رؤية فنية واعية: العودة إلى سينما المؤلف، حيث يحتل المخرج مركز العمل، وتُقدَّم الأفلام بوصفها تعبيرًا ذاتيًا وفكريًا، لا مجرد منتج ترفيهى.
وتبرز اختيارات المهرجان هذا العام توجهًا لافتًا نحو الأعمال التى تنشغل بالعالم فى حالته الراهنة: أزمات سياسية، تحولات اجتماعية، وأسئلة الهوية والانتماء.
بحسب تحليلات قريبة من لوموند فإن إدارة المهرجان لا تسعى فقط إلى عرض أفلام، بل إلى تقديم «نظرة سينمائية» على عالم مضطرب. وهنا تتحول الشاشة إلى مساحة للنقاش، بل وربما للمواجهة.
وعلى خلاف دورات سابقة يبدو الحضور الهوليوودى أقل بريقًا هذا العام، فى مقابل صعود أسماء معروفة بانتمائها إلى سينما المؤلف، تلك التى تضع الرؤية الإخراجية فوق اعتبارات السوق. هذا التحول لا يعنى غياب النجوم، لكنه يعكس إعادة ترتيب للأولويات: الفيلم أولًا، ثم كل شىء بعد ذلك.
◄ أقل شعبية
وتتسم قائمة الأفلام المشاركة بقدر من الجرأة، سواء على مستوى الموضوعات أو الأساليب السردية وهى أفلام لا تسعى بالضرورة إلى إرضاء الجمهور الواسع، بقدر ما تطمح إلى إثارة التفكير وطرح الأسئلة. وترى Le Monde أن هذا التوجه قد يعيد طرح سؤال قديم جديد: لمن يُصنع مهرجان كان؟ هل هو منصة للاحتفاء بالسينما كفن نخبوى، أم مساحة للتوازن بين الفن والجمهور؟
اللافت هذا العام أن الإجابة جاءت حاسمة، وربما صادمة للبعض، فوفقًا لقراءات الصحافة الفرنسية والأمريكية اختارت إدارة المهرجان أن تميل بوضوح إلى سينما المؤلف، حيث يصبح المخرج هو البطل الحقيقى، وتتحول الأفلام إلى رؤى شخصية تعكس قلق العالم وأسئلته، لا مجرد أعمال ترفيهية تسعى لشباك التذاكر.
أما Libération فذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن الدورة تمثل “انتصارًا للمخرجين” على حساب ثقافة النجومية، فى محاولة لتحرير السينما من سطوة السوق. لكن هذا الحماس لم يخلُ من القلق. ففى Le Figaro برز صوت أكثر حذرًا، يرحب بالقيمة الفنية، لكنه يتساءل: هل يمكن لمهرجان بهذا الحجم أن يبتعد إلى هذا الحد عن الجمهور؟
◄ أين السوق؟
على الضفة الأخرى من الأطلسى جاءت القراءة أكثر براجماتية، فصحف ومواقع مثل Variety وThe Hollywood Reporter ركزت على جانب مختلف: أين الأفلام التجارية؟ وأين النجوم؟ رأت هذه المنصات أن الدورة الحالية، رغم قوتها الفنية، قد تعانى من ضعف الزخم الجماهيرى والإعلامي، فى ظل غياب نسبى للأعمال الضخمة التى تجذب الجمهور العالمي.
ومع ذلك، لم يكن الموقف الأمريكى رافضًا بالكامل، ففى The New York Times برز طرح أكثر عمقًا، يعتبر أن «كان» لم يعد مجرد مهرجان، بل منصة لفهم العالم، حيث تتحول السينما إلى أداة لتحليل الواقع، لا الهروب منه.
ما بين الحماسة الفرنسية والتحفظ الأمريكى تتكشف ملامح معركة أعمق، معركة بين سينما تبحث عن معناها، وسوق يبحث عن أرباحه. فهل يصبح “كان” مهرجانًا للنخبة فقط؟ أم ينجح فى فرض معادلة جديدة تعيد الاعتبار للفن دون أن تخسر الجمهور؟ الإجابة لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن هذه الدورة لن تمر مرورًا عاديًا.
اختيارات هذا العام تبدو جريئة، لكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر، فالرهان على سينما المؤلف قد يعيد للمهرجان هيبته النقدية، لكنه قد يضعه فى مواجهة مع جمهور أوسع اعتاد على بريق النجوم وسحر العروض الكبرى. ومع ذلك، يبدو أن إدارة المهرجان اتخذت قرارها القيمة أولًا، حتى لو تراجع الضجيج.
عوالم الفنان على سعيد
الفن يتنفس بين المحطات.. المترو يعزف والقاهرة تُغنّى تحت الأرض
جدل حول دوره في الأعمال الإبداعية.. هل يغيّر الـ«AI» قواعد لعبة السينما؟







