ليست كل المشاهد تُختزل فى صور عابرة؛ فهناك لحظات تترك فى الروح أثرًا لا يُمحى، وتعيد ترتيب المعانى داخلنا. هكذا بدت زيارتى إلى مستشفى أهل مصر للحروق، بدعوة كريمة من الأب بطرس دانيال، وبمشاركة نخبة من الفنانين ورموز المجتمع، فى مشهد يعكس كيف يمكن للعمل الثقافى والفنى أن يمدّ جسورًا حقيقية نحو قضايا الإنسان.
لم نكن أمام صرح طبى فحسب، بل أمام رسالة حياة تُكتب كل يوم على جدران الألم، وتُروى بتفاصيل الصبر والنجاة. فى هذا المكان، لا يُقاس الشفاء بعدد الجراح التى التأمت فقط، بل بقدرة الإنسان على استعادة نفسه من بين رماد التجربة. هنا يتحول الوجع إلى بداية، وتصبح المعاناة لغة جديدة للحياة؛ لغة عنوانها الأمل، ومضمونها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانية كادت أن تنكسر.
مستشفى أهل مصر للحروق لا يمكن اختزاله فى كونه منشأة طبية متقدمة، بل هو إنجاز يعكس إرادة حقيقية لإنقاذ أرواح واجهت مصائر قاسية ومفجعة، وشهادة حية على أن الرحمة يمكن أن تكون مشروعًا، وأن الحياة- حتى فى أقسى صورها- تستحق أن تُمنح فرصة أخرى. فى هذا الكيان، يمتد العلاج ليشمل الجسد والنفس معًا، فى محاولة لإعادة بناء الإنسان من الداخل قبل أن تلتئم جراحه الظاهرة.
ومن هذا العمق الإنسانى، تكتسب الزيارة معناها الأوسع؛ إذ لم تكن مجرد حضور رمزى، بل مواجهة مباشرة مع قصص تحمل فى طياتها الألم والأمل معًا، ومحاولة جادة لدعم المرضى وأسرهم نفسيًا فى واحدة من أقسى تجارب الحياة.
تقف خلف هذه التجربة الملهمة جهود فريق عمل يحمل رسالة تتجاوز حدود الوظيفة، ويجعل من الرعاية فعلًا إنسانيًا يوميًا نابضًا بالمسئولية، تتصدره د. هبة السويدى، التى قدمت نموذجًا مختلفًا للعمل الخيرى، يؤسس لمنظومة متكاملة من الأمل والرعاية والكرامة. تجربة تؤكد أن الفارق الحقيقى يصنعه الإيمان بالفكرة، والإصرار على تحويلها إلى واقع.
غادرت المكان، وخلفى جدران شاهدة على الألم، لكننى حملت معى يقينًا بأن أعظم الإنجازات ليست تلك التى تُبنى بالحجر، بل تلك التى تُصان بالرحمة، وأن الإنسانية لا تزال قادرة على أن تنتصر حين تجد من يؤمن بها بصدق.
إن ما رأيته داخل هذا الصرح لا يجب أن يُروى كقصة إعجاب عابرة، بل كجرس إنذار يوقظ ضمير مجتمع بأكمله؛ فإما أن نكون شركاء فى هذه الرسالة.. أو متفرجين على الألم.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







