الموقف السياسي

محمود بسيوني يكتب: الترشيد طـوق نجاة

محمود بسيوني
محمود بسيوني


أزمة الوقود هى المحرّك الخفى لارتفاع أسعار الكهرباء؛ إذ إن أى اضطراب فى أسواق النفط والغاز - كما يحدث راهنًا - ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج. بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن الأزمة الراهنة فى الطاقة «تفوق فى حدّتها أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة». وهنا لم يعد الترشيد خيارًا، بل دخل حيز الإلزام، بوصفه أداة لضبط الإيقاع بين الممكن والمتاح، وأحد أعمدة الأمن القومى الطاقوى فى عالم تتسع فيه فجوة الندرة.

لم يعد العالم ينظر إلى ترشيد الكهرباء بوصفه ترفًا أخلاقيًا أو مجرد محاولة لإنقاذ البيئة، بل تحوّل - فى سياق دولى مضطرب - إلى ما يمكن تسميته باقتصاد الضرورة؛ حيث تتقاطع حسابات الطاقة مع خرائط السياسة، وترتفع فواتير الكهرباء بقدر ما ترتفع كلفة الوقود فى الأسواق العالمية، وفى قلب هذه المعادلة، تقف مصر فى منطقة تماس مباشر مع هذه التحولات، تتأثر بها وتعيد صياغتها داخليًا وفق معادلاتها الاقتصادية والاجتماعية. فالعالم - وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية - يشهد قفزة فى الطلب على الكهرباء تجاوزت 4.3% فى عام واحد، وهى وتيرة تفوق معدلات النمو التاريخية، بما يعكس ضغطًا مزدوجًا: طلبًا متزايدًا، وموارد تقليدية أكثر كلفة.

أزمة الوقود هى المحرّك الخفى لارتفاع أسعار الكهرباء؛ إذ إن أى اضطراب فى أسواق النفط والغاز - كما يحدث راهنًا - ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج. بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن الأزمة الراهنة فى الطاقة «تفوق فى حدّتها أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة». وهنا لم يعد الترشيد خيارًا، بل دخل حيز الإلزام، بوصفه أداة لضبط الإيقاع بين الممكن والمتاح، وأحد أعمدة الأمن القومى الطاقوى فى عالم تتسع فيه فجوة الندرة.

فى أوروبا، حيث تضخّمت أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية، اتجهت ألمانيا إلى سياسات ترشيد فعّالة، ونجحت فى خفض استهلاك الطاقة بنحو 8% خلال عام 2023، وهو ما يعادل تشغيل ملايين المنازل أو تخفيف العبء المالى عن الأسر بنسب ملموسة، نتيجة إعادة هندسة السلوك الاستهلاكى وضبط أنماط الاستخدام، ولم يكن ذلك تقشفًا قسريًا، بل انتقالًا واعيًا من ثقافة الوفرة إلى ثقافة الكفاءة.

وفى السياق ذاته، لجأت فرنسا وإسبانيا إلى مقاربة مزدوجة: دعم الفئات الأكثر تضررًا من جهة، وفرض إجراءات ترشيد من جهة أخرى، مثل تقليل الإضاءة العامة وتقييد ساعات العمل، ضمن حزمة سياسات تستهدف خفض الاستهلاك وتخفيف الضغط على الشبكات. إنها إدارة عقلانية للندرة، لا إنكار لها، بل توظيف ذكى لمحدداتها.

وعلى الضفة الأخرى، تجاوزت بريطانيا فكرة الترشيد بوصفها خفضًا للاستهلاك، لتتعامل معها كاستثمار استراتيجى فى المستقبل؛ حيث ارتفع الطلب على الألواح الشمسية بنسبة 78%، وعلى المضخات الحرارية بشكل شبه مضاعف، فى مسار يستهدف التحرر التدريجى من قبضة الوقود التقليدي، وبناء استقلالية نسبية فى منظومة الطاقة.

أما اليابان، فاختارت مسارًا أكثر هدوءًا وعمقًا؛ إذ خفّضت اعتمادها على الوقود الأحفورى فى توليد الكهرباء إلى أقل من 60%، مع صعود الطاقة النظيفة إلى أكثر من 40% من المزيج الكهربائى، واتجهت إلى ترسيخ الترشيد بوصفه سياسة مستدامة، توازن بين حماية البيئة واستقرار الأسواق، فى معادلة دقيقة تجمع بين الاقتصاد والانضباط المجتمعي.

وفى كاليفورنيا، كُتبت واحدة من أبرز دروس إدارة الندرة؛ إذ واجهت أزمة الكهرباء ببرامج ذكية، منها العدادات الرقمية والتعريفات المتغيرة زمنيًا. ففى ساعات الذروة، ترتفع الأسعار كإشارة إنذار اقتصادي، ما دفع الأسر إلى إعادة جدولة استهلاكها. النتيجة: تراجع الطلب بنحو 12% خلال عامين، فى نموذج يؤكد أن السلوك الفردى يمكن أن يتحول إلى أداة فاعلة فى السياسة العامة.

لم تكن هذه التحولات سهلة على المجتمعات، خصوصًا تلك التى اعتادت الوفرة. فإعادة تعريف «الأساسيات» ليست عملية تقنية بقدر ما هى تحول ثقافى عميق. ورغم الكلفة الاجتماعية المصاحبة، أدركت هذه المجتمعات أن الترشيد ليس تقليصًا للحياة، بل إعادة تنظيم لها، وتبرز كوريا الجنوبية كنموذج لافت، عبر نظام «الطاقة الخضراء» الذى يكافئ المقتصدين بخصومات تصل إلى 30% من الفاتورة، ما حوّل الترشيد من عبء إلى عائد، ومن سلوك دفاعى إلى مكسب اقتصادى مباشر.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات جامدة، بل تعادل - فى ترجمتها اليومية - وجبات طعام، أو أدوية، أو أقساطًا دراسية. الترشيد إذن ليس حرمانًا، بل إعادة توجيه للإنفاق نحو جوهر الحياة، وإعادة ترتيب لأولويات الأسرة فى زمن الضغوط المركّبة، فاستبدال «لمبة قديمة» بأخرى موفّرة للطاقة قد يخفض الاستهلاك بنسبة تتجاوز 70%، وهو مثال بسيط يعكس كيف تتحول القرارات الصغيرة إلى وفورات حقيقية.

فى مصر، تدعم الدولة أسعار الكهرباء بنحو 80 مليار جنيه سنويًا (قبل الإصلاحات الأخيرة)، ومع التحريك التدريجى لأسعار الوقود باتت فواتير الكهرباء تنمو كأشواك فى جسد ميزانية بيوتنا، وهنا يتقدّم الترشيد بوصفه حلقة وصل بين سياسات الدولة واحتياجات الأسرة، وجسرًا يعبر به المواطن من ضغوط الواقع إلى قدرة التكيّف.

وقد أثبتت التجارب أن نحو 60% من زيادة الطلب العالمى على الكهرباء جاءت من قطاع المباني، أى من المنازل بالأساس، ما يعنى أن المعادلة تبدأ من البيت، حيث تتشكل أنماط الاستهلاك اليومية وتُصاغ قواعد الاستخدام.

فى الحالة المصرية، تتجلى الصورة بوضوح: ارتفاع عالمى فى أسعار الوقود، ضغط على الموازنة العامة، وإجراءات تستهدف إعادة ضبط الاستهلاك. وقد شهدت مصر بالفعل زيادات فى أسعار الكهرباء لبعض الشرائح فى إطار التعامل مع التكلفة الحقيقية للطاقة.

من أجل ذلك كله يصبح الترشيد أداة حماية اقتصادية للأسرة، لا مجرد سلوك رشيد؛ ووسيلة لتخفيف أثر التضخم، وإعادة ضبط العلاقة بين الدخل والإنفاق، بمعنى آخر أدق طوق نجاة لا يُنقذ فقط من الغرق، بل يعيد تعليم المجتمعات كيف تسبح فى بحرٍ لم يعد فيه متسع للهدر وتتلاطم فيه أمواج الغلاء .