«فاميلي بيزنس» يفتح ملف السرقات السينمائية

فاميلي بيزنس
فاميلي بيزنس


في قاعة سينما مزدحمة بالجمهور خلال الموسم السينمائى الحالي يتصاعد الضحك مع أول مشاهد فيلم «فاميلى بيزنس» للفنان محمد سعد، لكن بعد دقائق من التوغل فى الأحداث يتحول الضحك إلى همسات توحى بأنها تمت مشاهدتها مسبقًا، ليبدأ السؤال: هل ما تم مشاهدته توارد خواطر أم نسخة طبق الأصل من الفيلم الكورى Parasite، الحائز على السعفة الذهبية بمهرجان «كان السينمائي» فى عام 2019، كما فاز بجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي في الدورة 92 للمهرجان، والذى حقق وقت عرضه ما يقرب من 266 مليون دولار، وهو الأمر الذى قوبل بهجوم شديد على فيلم «فاميلي بيزنس» وصُنّاعه، خاصة مع تكرار هذه الظاهرة مؤخراً، والجدل حول الفيلم يعكس أزمة داخل صناعة السينما، تتعلق بندرة النصوص الأصلية واتجاه بعض المنتجين إلى تقليل المخاطرة عبر استلهام أعمال حققت نجاحًا عالميًا.

تطرح هذه الآراء تساؤلات أعمق حول علاقة الفن بالهوية: هل الاقتباس دليل على عجز فى الخيال، أم أنه جزء من تفاعل ثقافى طبيعى بين الشعوب؟ وهل تكمن المشكلة فى «الاقتباس» ذاته، أم في طريقة توظيفه؟

فلم تعد ظاهرة الاقتباس من الأعمال الأجنبية فى السينما المصرية والعربية مجرد خيار فني، بل تحولت إلى قضية جدلية، بين من يراها امتدادًا طبيعيًا لتاريخ الفن، ومن يعتبرها دليلًا على إفلاس إبداعي، بل وأداة محتملة للتغريب الثقافي.

وبين الاتهام بالإفلاس الفني والتحذير من التغريب، تظل ظاهرة الاقتباس مرآة تعكس أزمة مركبة في الصناعة الفنية العربية، وربما لا يكون الحل في رفض الاقتباس أو قبوله بشكل مطلق، بل في إعادة تعريفه كعملية إبداعية حقيقية تقوم على إعادة إنتاج الفكرة بروح محلية أصيلة.

فإذا كانت «الحدوتة» يمكن أن تأتى من أى مكان، فإن الهوية هى ما يمنحها معناها الحقيقي، وهنا يبقى التحدى الأكبر.

◄ اقرأ أيضًا | منافسة قوية في شباك التذاكر.. «برشامة» يتصدر إيرادات أمس بـ3.6 مليون جنيه

◄ الاقتباس والسرقة

وتتباين مواقف النقاد تجاه هذه الظاهرة؛ فبينما يرى البعض أن الاقتباس ممارسة فنية مشروعة، يذهب آخرون إلى اعتباره نوعًا من «السرقة» حين يتم دون الإشارة إلى المصدر الأصلي.

يأتي ذلك فى ظل موجة من الجدل النقدى التي يثيرها الفيلم منذ طرحه، وسط اتهامات متزايدة بالاقتباس غير المُعالج، مقابل مطالب بضرورة الارتقاء بجودة النصوص السينمائية والاعتماد على متخصصين في الكتابة الدرامية.

ويشير الناقد والمؤرخ السينمائي محمود قاسم إلى أن السينما الأمريكية مثلت «الأم» التي استلهمت منها السينما المصرية منذ نشأتها، مؤكدًا أن «الحدوتة» كانت دائمًا هى المحرك الأساسي، بغض النظر عن مصدرها، وهو ما فتح الباب بشكل أوسع أمام الاقتباس.

وفي المقابل، تفرق الناقدة ماجدة موريس بين الاقتباس كفن له قواعد، والسرقة كفعل يفتقر إلى النزاهة، فالأزمة لا تكمن فى استلهام الأفكار، بل فى غياب الإشارة إلى المصدر، أو نقل العمل دون إعادة صياغته بما يتناسب مع البيئة المحلية، ووجهت انتقادات حادة لبعض المؤلفين، معتبرة أن محدودية الخيال تدفعهم للاعتماد على أعمال جاهزة بدلًا من ابتكار نصوص أصيلة.

◄ ضرورة إنتاجية

وعلى الجانب الآخر يدافع بعض الفنانين عن الاقتباس باعتباره ضرورة فنية، خاصة فى ظل ندرة الأفكار، حيث يرى الفنان هانى رمزى أن نقل الأعمال الناجحة إلى بيئة محلية ليس عيبًا، بل استثمارًا لنجاحات مضمونة، خاصة فى ظل تاريخ سينمائى طويل أنتج آلاف الأفلام، ما يجعل الوصول إلى أفكار جديدة تحديًا حقيقيًا.

ويرى الناقد الفني طارق الشناوي أن الاقتباس فى حد ذاته ليس جريمة، بل هو ممارسة عالمية، لكن الأزمة تبدأ عند إخفاء المصدر.

ففي السينما العالمية، يتم الاقتباس بشكل صريح، بل يُستخدم أحيانًا كعنصر دعائي، أما لدينا، فغالبًا ما يتم التستر عليه، وهنا تتحول المسألة إلى أزمة ثقة مع الجمهور.

ويضيف أن الجمهور المصرى أصبح أكثر وعيًا، ولم يعد يقبل بسهولة فكرة «توارد الخواطر».

كما يرى الناقد الفنى أحمد بشرى أن مفهوم الاقتباس فى صورته العلمية السليمة لا خلاف عليه، بل يُعد أحد روافد الإبداع، شريطة الالتزام بقواعده الأساسية، وعلى رأسها الإشارة الواضحة إلى المصدر الأصلي، سواء كان نصًا أدبيًا أو عملًا دراميًا، مع الحفاظ على روح العمل وإعادة تقديمه برؤية جديدة.

ويؤكد أن ما يحدث فى بعض الأعمال المعاصرة لا يمكن إدراجه تحت هذا المفهوم، بل يقترب كثيرًا من النقل المباشر دون تصريح أو توثيق، وهو ما يضعه، من وجهة نظره، فى خانة «السرقة الفنية»، حتى وإن جرى تبريره لاحقًا بمصطلحات فضفاضة مثل «توارد الخواطر».

◄ وصفة مستوردة

ويضيف بشرى أن لجوء بعض شركات الإنتاج إلى استنساخ أعمال أجنبية ناجحة يعكس تصورًا ساذجًا بأن النجاح قابل للاستيراد، متجاهلين أن كل عمل فنى هو نتاج بيئة ثقافية واجتماعية محددة، فما ينجح في سياق غربي، ليس بالضرورة أن يحقق نفس التأثير في المجتمع المصرى أو العربي.

ويشير إلى أن تطور وسائل المشاهدة، خاصة عبر المنصات الرقمية، جعل قطاعًا واسعًا من الجمهور العربى على دراية بالأعمال الأصلية، وهو ما يفتح باب المقارنة المباشرة، التي غالبًا ما تأتى فى غير صالح النسخ المحلية، سواء من حيث البناء الدرامى أو الأداء أو الإخراج.. ويضرب بشرى أمثلة بعدد من الأعمال التى أثير حولها الجدل، منها مسلسل العراف، الذى يرى البعض أنه استلهم عناصر من أكثر من عمل أجنبى، من بينها فيلم Catch Me If You Can بطولة Leonardo DiCaprio Tom وHanks وإخراج Steven Spielberg.

كما يشير إلى الجدل الذى أُثير مؤخرًا حول فيلم فاميلى بيزنس بعد اتهامه بالتشابه مع الفيلم الكورى Parasite، الحائز على عدة جوائز أوسكار، إلى جانب ملاحظات تتعلق بتشابهات بصرية مع فيلم Everybody’s Fine.

ويشدد بشرى على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فى الاقتباس ذاته، بل فى غياب الحرفية عند تنفيذه، حيث تأتى بعض الأعمال بنصوص مفككة، وحوار ضعيف، ومعالجة سطحية، فتفقد قدرتها على الإقناع، وتتحول إلى نسخة باهتة من الأصل.

وفي ختام رؤيته، دعا إلى ضرورة التوقف أمام هذه الظاهرة، وإعادة النظر فى آليات الإنتاج الدرامي، مؤكدًا أن الساحة تزخر بكتّاب موهوبين قادرين على تقديم أفكار جديدة، إذا ما أُتيحت لهم الفرصة بعيدًا عن دوائر الاحتكار.

كما يشدد على أهمية العودة إلى التراث الأدبى العربي، والاستفادة من الأدب العالمى بشكل مشروع، مع الالتزام بالتوثيق واحترام حقوق الملكية الفكرية.

◄ نقل حرفي

أما الناقدة الفنية مها متبولى فقد وجهت انتقادات حادة لفيلم فاميلى بيزنس، معتبرة أن العمل اعتمد على نقل حرفى للفيلم الكوري، دون محاولة حقيقية لتمصير الفكرة أو إعادة صياغتها بما يتناسب مع البيئة المصرية.

وأكدت أن غياب المعالجة المحلية أفقد العمل هويته، مشيرة إلى أن الاقتباس لا يُعد عيبًا فى حد ذاته، لكن المشكلة تكمن فى تقديم العمل دون إضافة أو اجتهاد فنى يمنحه خصوصية.

وأضافت أن غياب الفصل بين مهام الكتابة الدرامية، من قصة وسيناريو وحوار، أدى إلى خلل واضح فى البناء الفني، وهو ما انعكس على تماسك الأحداث وعدم قدرة الفيلم على إقناع الجمهور.