آخر كلام

أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «7»

أحمد هاشم
أحمد هاشم


◄ محمد البلتاجي.. صوت الإرهاب

◄ كان حلقة الوصل الأهم بين التنظيم السري والقواعد الطلابية والمهنية

◄ تولى التنسيق مع مكتب الإرشاد لتنفيذ أجندة الجماعة عبر أدوات الحزب والبرلمان

◄ تنافس مع عصام العريان ووحدتهما «رابعة».. واتفقا في خطاب التحريض ضد الدولة

◄ الذراع الميدانية لخيرت الشاطر.. والمنفذ لرؤيته في السيطرة على مفاصل الدولة

بعد عام 2013 شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى أدت إلى ظهور ما عُرف بـ"تيار العمل النوعى" أو "اللجان النوعية"، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر.. ومن أبرز القيادات الإخوانية التى تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجى وصفوت حجازى، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح رداً على سقوط حكم الجماعة . 

ويعد محمد البلتاجي من أبرز قادة العنف بتنظيم الإخوان بعد عام 2013، وهو محسوب تاريخياً على الجناح القطبى نسبة لسيد قطب من حيث الصلابة التنظيمية، رغم محاولاته الدائمة لتصدير صورة السياسى المنفتح، وظهر هذا التوجه بوضوح فى خطاباته بعد يونيو 2013، حيث تخلى عن اللغة السياسية لصالح لغة المواجهة والجهاد ضد مؤسسات الدولة، وارتبط اسمه بعدة وقائع وتصريحات تحرض بشكل مباشر على العنف، ومن أبرزها "تصريحات سيناء" التى تُعد من أكثر تصريحاته شهرة وإثارة للجدل، حيث قال من فوق منصة اعتصام رابعة العدوية"إن ما يحدث فى سيناء هو رد فعل، وسيتوقف فى اللحظة التى يعود فيها الرئيس مرسى إلى منصبه".. وهو ما يعد اعترافًا بسيطرة الجماعة على العناصر الإرهابية المتواجدة بسيناء آنذاك. 

البلتاجى احتل مكانة محورية داخل تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابى، ولم يكن مجرد كادر سياسى، بل كان حلقة الوصل الأهم بين التنظيم السرى والقواعد الطلابية والمهنية، ثم الوجه البرلمانى الأبرز للجماعة، كما كان أحد قادة التشدد والتطرف داخل حزب الحرية والعدالة" الذراع السياسية للجماعة الإرهابية" التى تم تأسيسها عقب ثورة 25 يناير 2011، وكان دائماً يدفع باتجاه التصعيد، متجاوزاً أحياناً الهياكل الرسمية للحزب ليتواصل مباشرة مع التنظيم السرى بالجماعة، مما جعل صوته الأعلى والأكثر تأثيراً فى اللحظات المصيرية.

كما كان يمثل أيضا قبضة الإخوان السياسية، فبينما كان الرئيس المعزول محمد مرسى بمقر الرئاسة تولى البلتاجى التنسيق مع مكتب الإرشاد لتنفيذ أجندة الجماعة عبر أدوات الحزب والبرلمان، مع الحفاظ على جاهزية الميليشيات أو المجموعات النوعية فى الشارع تحت غطاء الحزب.

وعكست علاقة البلتاجى بقيادات حزب الحرية والعدالة الأخرى مثل عصام العريان وسعد الكتاتنى صراعاً خفياً وصريحاً أحياناً بين طموحات الشخصيات، واختلاف الرؤى فى إدارة الدولة، ومدى القرب من المركز المقدس"مكتب الإرشاد وخيرت الشاطر".. حيث كان يدور بين البلتاجى والعريان صراع حول الرجل القوى، واتسمت العلاقة بينهما بـالتنافس المكتوم، فكلاهما كان يطمح لأن يكون الوجه الأول للإخوان سياسياً، وكان العريان يرى نفسه المفكر السياسى والأحق برئاسة الحزب أو الوزارة، بينما كان البلتاجى يرى نفسه القائد الميدانى الأكثر تأثيراً فى الشارع، وهو ما انعكس على الهيئة البرلمانية للحزب، فقد كان هناك انقسام غير معلن، جناح يميل لهدوء العريان النسبى(فى البداية)، وجناح يميل لاندفاع البلتاجى ورغبته فى الصدام السريع مع مؤسسات الدولة.

ورغم التنافس بين البلتاجى والعريان إلا أن منصة رابعة العدوية وحدتهما فى النهاية، حيث تبنيا معاً الخطاب التحريضى الأكثر حدة ضد الدولة، وكأنهما كانا يتسابقان فى إثبات الولاء للتنظيم أمام القواعد.

كما تنافس البلتاجى مع سعد الكتاتنى (رئيس مجلس الشعب ورئيس حزب الحرية والعدالة لاحقا)الذى كان يمثل الواجهة المؤسسية للجماعة سياسيًا، بينما كان البلتاجى يمثل التمرد داخل الحزب، وفى كثير من الأحيان كان الكتاتنى يحاول تلطيف تصريحات البلتاجى الصدامية التى كانت تسبب حرجاً للحزب مع القوى السياسية أو مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها الجيش والشرطة، لكنهما اتفقا فى النهاية على تبادل الأدوار، الكتاتنى يتفاوض فى الغرف المغلقة بصفته رجل الدولة، والبلتاجى يضغط فى الشارع ويهدد بـالموجات الثورية لانتزاع المكاسب.

ويمكن تشبيه علاقة البلتاجى وخيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة الإرهابية بالذراع والرأس، وهى العلاقة الأهم، فالبلتاجى كان يُعتبر الذراع الميدانية لخيرت الشاطر الرجل القوى فى التنظيم، وكان ينفذ رؤية الشاطر فى السيطرة الشاملة على مفاصل الدولة أو ما كان يعرف بالتمكين، وبينما كان العريان والكتاتنى يترددان أحياناً خوفاً على صورة الحزب السياسية كان البلتاجى لا يتردد فى تنفيذ الأجندة التنظيمية الصارمة، مما جعله المقرب والمفضل لدى الدوائر القطبية داخل مكتب الإرشاد.

وعندما بدأت ملامح سقوط حكم الإخوان اختفت كل الخلافات التكتيكية بين هذه القيادات، وأصبح البلتاجى القائد الفعلى للمشهد فى اعتصام رابعة العدوية، وتراجع دور الكتاتنى السياسى لصالح خطاب البلتاجى التحريضى، ليسحب البلتاجى الحزب بالكامل من خانة العمل السياسى إلى خانة المواجهة العسكرية والأمنية مع الدولة، وهو الأمر الذى يرى مراقبون أنه قضى على أى فرصة كانت متبقية للحزب للاستمرار ككيان قانونى.

وسبق ذلك وبعد وصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم بروز مصطلح إعادة الهيكلة كواجهة لمساعى الجماعة لتقويض استقلالية الجيش والشرطة لصالح أخونة الدولة، حيث قاد البلتاجى حملة شرسة تحت مسمى تطهير الداخلية، وكان من أبرز الداعين لإلغاء قطاعات معينة داخل الوزارة، واستبدالها بكوادر تتماشى مع توجهات الجماعة، فى محاولة لتفكيك عقيدة الجهاز وتطويعه.

كما كانت تصريحات البلتاجى تتسم بالهجوم على القيادات العسكرية، وهو ما تزامن مع سعى الجماعة من خلال التشريعات والمناقشات داخل برلمان 2012 إلى التدخل فى ميزانية الجيش وهيكله القيادى، وهو ما اصطدم بعقيدة القوات المسلحة التى رفضت التدخل فى شئونها الداخلية.

وفى ذروة أحداث 2013 وجَّه البلتاجى نداءات لضباط وجنود الجيش والشرطة لمخالفة الأوامر وخلع ملابسهم العسكرية والعودة لمنازلهم، فى تحريض مباشر على التمرد وتفكيك وحدة القوات المسلحة.

علاقة البلتاجي بالتنظيم الإرهابي بدأت فى السبعينيات والثمانينيات أثناء دراسته فى كلية الطب بجامعة الأزهر، حيث برز كأحد قادة العمل الطلابي الإسلامي، الذى كان نواة لإعادة إحياء الجماعة فى الجامعات، وانتقل بعدها للعمل النقابي، وشغل منصب عضو مجلس نقابة الأطباء، وكان من المسؤولين عن إدارة لجنة الإغاثة الإنسانية بالنقابة، وهى اللجنة التى استخدمتها الجماعة لتعزيز حضورها الشعبي محلياً ودولياً تحت غطاء العمل الخيري.

وتدرج البلتاجي سريعًا في المناصب التنظيمية بالجماعة، حتى أصبح من الأسماء المؤثرة فى صنع القرار، وشغل عضوية المكتب الإداري للإخوان بمحافظة القليوبية، وهى واحدة من أهم المحافظات تنظيمياً للجماعة، كما أصبح عضواً بمجلس الشورى العام للجماعة، وهو الهيئة التشريعية العليا داخل التنظيم التى تضع السياسات العامة، وقاد المكتب الإعلامى للجماعة لفترة، وكان المتحدث الرسمى باسم كتلتها البرلمانية، مما جعله المنظر السياسي للجماعة أمام الرأي العام، كما كان أحد أبرز الوجوه التى فازت في انتخابات 2005 (ضمن قائمة الـ 88 إخوان)، وبعد ثورة 25 يناير 2011 كان من المؤسسين الأوائل لحزب الحرية والعدالة، وشغل منصب الأمين العام للحزب بمحافظة القاهرة، ثم أصبح عضو المكتب التنفيذي للحزب على مستوى الجمهورية.

ولعب محمد البلتاجي دورًا محوريًا فى كواليس الحزب، حيث كان يمثل المحرك الميدانى والمنظر السياسى الذى يربط بين قرارات مكتب الإرشاد(التنظيم) وبين الممارسة السياسية على الأرض، وعند تأسيس الحزب فى مايو 2011 لم يكتفِ البلتاجى بعضوية الهيئة العليا، بل أصر على تولى منصب أمين عام الحزب فى محافظة القاهرة، وهو اختيار كان استراتيجياً بامتياز، فالعاصمة مركز الثقل السياسى والاحتجاجى، ومن خلال هذا المنصب سيطر البلتاجى على مفاصل التحركات فى ميدان التحرير، وماسبيرو ومحيط قصر الاتحادية لاحقاً، مما جعله الرجل الأقوى ميدانياً في الحزب.

ونظرا لعضويته بالمكتب التنفيذى للحزب (الدائرة الضيقة التى كانت تصنع السياسات اليومية) كان البلتاجى المسؤول عن ملف التحالف الديمقراطى، الذى ضم أحزاباً أخرى خلف الإخوان فى انتخابات برلمان 2011، مستغلاً علاقاته السابقة مع القوى المدنية لخداعها وضمها تحت لواء الجماعة، ورغم وجود رئيس للحزب ورئيس للكتلة البرلمانية كان البلتاجى الدينامو الفعلى داخل البرلمان، والموجِّه للأعضاء فى كيفية التعامل مع الملفات الشائكة مثل قانون عزل الفلول وإعادة هيكلة الشرطة.

وكشف العديد من التقارير والشهادات بعد عام 2013 أن البلتاجى كان يدير غرفة عمليات سرية داخل الحزب تهدف إلى التدخل فى التعيينات، حيث كان له دور مباشر فى ترشيح أسماء إخوانية لشغل مناصب قيادية فى المحافظات والوزارات خاصة وزارتى التربية والتعليم والشباب والرياضة.

كما قاد محاولات الحزب للسيطرة على النقابات المهنية والمجالس القومية، وكان يرى أن الحزب يجب أن يكون البديل الفعلى لمؤسسات الدولة التقليدية.

داخل حزب الحرية والعدالة كان هناك تياران، تيار يميل للسياسة الهادئة، وتيار البلتاجى الذى كان يرى ضرورة الحسم الثورى (بمنظور الجماعة)، وتفوق جناح البلتاجى المدعوم من خيرت الشاطر، مما أدى إلى إقصاء الأصوات التى كانت تنادى بالانفصال الحقيقى للحزب عن مكتب الإرشاد، كما قام جناح البلتاجى بتحويل مقر الحزب فى منيل الروضة إلى مركز لإدارة الصدامات الميدانية بدلاً من العمل السياسى التشريعى، وتحويل الحزب إلى منصة اعتصام.

ومع بداية أزمة الإعلان الدستورى الذى أعلنه الرئيس المعزول محمد مرسى فى نوفمبر 2012 نقل البلتاجى ثقل الحزب من المقرات الرسمية إلى الشارع، فهو من أدار مشهد الحشد أمام قصر الاتحادية، وهو من صاغ خطاب المظلومية الذى تبناه الحزب لاحقاً لتبرير الصدام مع مؤسسات الدولة مثل الجيش، والشرطة، والقضاء.

وتميز البلتاجى عن غيره من القيادات مثل محمد بديع أو خيرت الشاطر بقدرته على الحشد الميداني، حيث كان يوصف بأنه همزة الوصل بين الجماعة والقوى السياسية المدنية فى ميدان التحرير عام 2011، قبل أن ينقلب هذا الدور لاحقاً لصالح سيطرة الجماعة المنفردة.

خلال فترة حكم المعزول محمد مرسى لم يشغل منصباً رسمياً فى الحكومة، لكنه كان يُعتبر القيادى الميدانى الأول والموجه الفعلى للتحركات الشعبية والاعتصامات خاصة رابعة العدوية، وكان له دور كبير فى تشكيل ما عُرف بـاللجان الشعبية التابعة للتنظيم.

كما وُصف البلتاجى بأنه وزير داخلية الجماعة أثناء اعتصامى رابعة والنهضة، حيث نُسب إليه الإشراف على ما عُرف بـالمستشفى الميدانى الذى شهد وقائع تعذيب لرجال شرطة ومواطنين اشتبه فيهم المعتصمون.

وأدين البلتاجى فى قضية أحداث قصر الاتحادية التى وقعت فى ديسمبر 2012، حيث اتُهم بالمشاركة فى التحريض على استعراض القوة والعنف ضد المتظاهرين المعارضين للإعلان الدستورى آنذاك.

في يونيو 2021 حُكم عليه نهائيا بالإعدام فى قضية فض اعتصام رابعة 2021، حيث أيدت محكمة النقض حكم الإعدام بحقه، لإدانته بتدبير تجمهر مسلح، والقتل العمد، وقطع الطرق بمحيط ميدان رابعة العدوية.

كما حُكم عليه بالإعدام أيضا فى قضية أحداث المنصة (حكم أول درجة) فى مارس 2024، حيث قضت محكمة جنايات أمن الدولة بالإعدام ضده وضد قيادات أخرى بينهم محمد بديع ومحمود عزت بتهمة قيادة جماعة إرهابية والتحريض على قتل ضباط شرطة والتجمهر.

كما صدرت ضده عدة أحكام بالمؤبد فى قضايا كبرى، منها حكم نهائى فى قضية اقتحام الحدود الشرقية، بتهمة اقتحام السجون المصرية، وتهريب السجناء بمساعدة عناصر خارجية، ونفس الحكم فى أحداث قسم العرب ببورسعيد، المتهم فيها بالتحريض على اقتحام قسم الشرطة وقتل الضباط، وكذلك فى كلٍ من قضية أحداث البحر الأعظم، بعد أن وجهت له تهمة التحريض على العنف والقتل فى الجيزة، وقضية أحداث قليوب، المتهم فيها بتهمة قطع الطريق الزراعى والتحريض على العنف.

وصدر ضده حكم نهائى بالسجن المشدد 20 عاماً فى قضية أحداث قصر الاتحادية، بتهمة استعراض القوة والتحريض على تعذيب المتظاهرين، بالإضافة إلى حكم نهائى بالسجن المشدد 15 عاماً فى واقعة احتجاز وتعذيب محامٍ داخل مقر شركة بميدان التحرير أثناء أحداث 2011، والسجن 10 سنوات فى كلٍ من أحداث الإسماعيلية والسويس بتهم التحريض على العنف، والحكم النهائى بالسجن 10 سنوات فى قضية تكوين خلية إرهابية.

كما صدرت ضده عدة أحكام بالحبس لمدد متفاوتة، يصل مجموعها لنحو 19 عاماً فى قضايا منفصلة بتهمة إهانة القضاء بسبب تصرفاته أو عباراته أثناء جلسات المحاكمة، ومنها حكم بالحبس سنتين فى 2018 لإهانة المحكمة خلال جلسة اقتحام السجون، بخلاف أحكام أخرى بالحبس لمدة عام فى جلسات مختلفة.