تقرير خطير لـ«الاتحاد الأوروبي» يحذر فيه من فخ لاصطياد المراهقين عبرالسوشيال

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


خلف سماعات الأذن الحديثة، وبينما يظن الآباء أن أبناءهم غارقين في عالم بريء، تحاك مؤامرة من نوع خاص، حيث لم يعد الإرهاب والتطرف يستخدم الطرق البدائية والمكشوفة في التجنيد والدعاية، بل بات يتسلل عبر النوتات الموسيقية والأناشيد الحماسية المليئة بوعود البطولات الزائفة، مما حول تلك المنصات إلى «ملاذ آمن» جديد للدعاية المتطرفة، وقنابل موقوتة تهدد عقول الأطفال والمراهقين في غرفهم المغلقة.

لسنوات طويلة، ركزت شركات التكنولوجيا والجهات الأمنية على مراقبة الفيديو والصور، وطورت خوارزميات ذكاء اصطناعي يمكنها رصد شعار تنظيم إرهابي ما أو مشهد عنيف في أجزاء من الثانية، لكن الجماعات المتطرفة، بذكائها الإجرامي، اكتشفت الثغرة الكبرى وهي المحتوى الصوتي.

وعلى عكس مقاطع الفيديو أو الصور، غالبا ما يكون من الصعب مراقبة الدعاية الصوتية على الإنترنت، وهو ما سمح لهذا النوع من المحتوى بالانتشار دون رصد أمني لفترات طويلة، خلال السنوات الأخيرة في أوروبا، وهي الثغرة التي وجد فيها دعاة الإرهاب واليمين المتطرف، على حد سواء، فرصة لحشد أعضائهم بأسلوب كلاسيكي.

محتويات تلك الدعاية الصوتية، والتي وصفته صحيفة لوفيجارو، بالبرميل الافتراضي المتفجر، يتضمن خطابات قادة إرهابيين مصنفين في فرنسا وأوروبا عمومًا، بجانب التصريحات المتطرفة لمستخدمي الإنترنت الأقل شهرة، والأغاني التي تمجد العنف الإرهابي، وحتى الأناشيد الإسلامية التي تستخدم في الدعاية الجهادية.

في نهاية مارس الماضي، دقت وكالة اليوروبول، الذراع الأمني للاتحاد الأوروبي، ناقوس الخطر من خلال كشفها عن عملية أمنية وصفت بـ الأضخم من نوعها، استهدفت كسر شوكة الدعاية الصوتية للجماعات الإرهابية والمتطرفة، حيث كانت النتائج بالنسبة للسلطات الأوروبية صادمة بكل المقاييس.

كشفت العملية الأمنية عن شبكة معقدة من المحتوى العنيف العابر للحدود، والتي بدأت في أوائل مارس عبر نداء وجهته الوكالة لإطلاق أكبر حملة فهرسة على الإطلاق على الإنترنت، استهدفت الدعاية الإرهابية، التي تنشر عبر المحتوى الصوتي، بغض النظر عن الانتماء سواء كان دعاية جهادية أو دعاية لليمين المتطرفة.

رصد آلاف الروابط

قادة الحملة وحدة الإحالة عبر الإنترنت التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي تتخذ من المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب التابع لليوروبول مقرًا لها، وتتولى الوحدة مهمة رصد وتحليل المحتوى الإرهابي والمتطرف العنيف المتاح للعموم على الإنترنت، وإحالته إلى الجهات المختصة، وتعمل على الحد من إمكانية الوصول إلى هذا المحتوى، فضلاً عن تسهيل تحديد هوية مرتكبي الجرائم وملاحقتهم قضائيً.h

شارك في عملية الفهرسة 14 دولة على رأسها المجر وألمانيا، بلجيكا، الدنمارك، المجر، أيرلندا، إيطاليا، لوكسمبورج، مالطا، البرتغال، صربيا، سلوفينيا، إسبانيا والسويد، حيث اجتمع المحققون المتخصصون لأسابيع، قاموا خلالها بعملية «فحص وتمحيص» شاملة لكل رابط.

من جانبه قام اليوروبول بتنسيق التخطيط التشغيلي للعملية، وتنظيم اجتماعات تشغيلية مع الدول المشاركة والشركاء، وتوحيد الكم الهائل من عناوين المواقع الإلكترونية التي تم جمعها وفحصها أثناء العملية لضمان عدم حدوث تعارض قبل إحالة البيانات إلى المنصات الإلكترونية.

كانت المفاجأة؛ أن تمكن المحققون من تحديد ورصد آلاف الروابط وعشرات المنصات الإلكترونية، حيث تم رصد وتحديد 17,298 رابطًا إلكترونيًا(URL)، كمحتوى إرهابي صرف، و 40 منصة إلكترونية، تحولت من وسائل للترفيه الصوتي إلى مخازن للدعاية الإرهابية السوداء.

أجرى المحققون فحوصات شاملة، وأحيلت عناوين المواقع الإلكترونية إلى مزودي الخدمات الإلكترونية لتقييمها وفقا لشروط الخدمة الخاصة بهم، لضمان أن حذف هذه الروابط لن يضر بتحقيقات أمنية جارية، ولضمان أن الضربة ستكون قاضية لهذا المحتوى وعدم عودته مرة أخرى.

دماء فى الشوارع

تبين أن كل المحتوى الصوتي الذي تمكن المحققون من جمعه عبارة عن 1,100 ساعة من التطرف، أي ما يعادل 47 يومًا من الاستماع المتواصل دون توقف لخطابات الكراهية والأناشيد المحرضة على القتل، وحذفت الغالبية العظمى من هذه الروابط فور إبلاغ مزودي الخدمة بنسبة نجاح بلغت 77% 

أثبتت التحقيقات أن خطر الدعاية الصوتية لم يعد نظريًا، بل تحول إلى دماء في الشوارع، حيث تسبب الاستماع المستمر للأناشيد والخطابات الصوتية الجهادية إلى تحويل شاب عادي إلى ذئب منفرد، خطط بنفسه لهجوم إرهابي في أوروبا عرفت باسم عملية ستوكهولم في صيف 2025.

وبحسب لائحة الاتهام، كان «فارس» يخطط لتنفيذ هجوم انتحاري يستهدف مهرجان الثقافة في حديقة وسط ستوكهولم في دولة السويد خلال صيف عام 2025، وقد اعتقل في فبراير عقب عملية أمنية سرية واسعة، تمكنت خلالها الشرطة من اختراق محيطه وكسب ثقته عبر عنصر متخفٍ.

وخلال الجلسات أدلى خبير في اليوروبول بشهادته أمام المحكمة حول دور الأناشيد الدينية في تجنيد المتهم البالغ من العمر 19 عامًا، والتي بسببها أصبح واحد من المتطرفين الجهاديين، وأقرّ أمام القضاة بجرائم التحضير للعمل الإرهابي، وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات وعشرة أشهر بعد إدانته.

تهديدات رقمية

يرى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات؛ أن العملية الواسعة تشير إلى تحول نوعي في طبيعة التهديدات الرقمية المرتبطة بالتطرف، حيث لم تعد المنصات المرئية وحدها ساحة النشاط الدعائي، بل أصبحت المنصات الصوتية فضاءً متناميًا يصعب رصده والسيطرة عليه.

ورجح المركز أن يتسارع هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، في ظل سهولة إنتاج المحتوى الصوتي وانخفاض كلفة نشره مقارنة بالوسائط الأخرى، مشددين إلى أنه في المستقبل ستواجه الأجهزة الأمنية الأوروبية تحديًا مزدوجًا، يتمثل في تطوير أدوات تقنية قادرة على تحليل المحتوى الصوتي بمختلف لغاته ولهجاته.

بجانب قدرتها على تعزيز الكفاءات البشرية المتخصصة القادرة على فهم السياقات الثقافية والأيديولوجية التي تنتج فيها هذه المواد، مشيرين إلى أن المحتوى الصوتي لا يعتمد فقط على الكلمات، بل على النبرة والإيحاء، ما يجعل اكتشافه أكثر تعقيدًا من النصوص أو الصور.

وتوقع المركز الأوروبي أن تتجه الجماعات المتطرفة إلى مزيد من التكيف مع الضغوط الأمنية، عبر استخدام منصات أقل شهرة أو تقنيات تشفير وتوزيع لامركزي، مما يزيد من صعوبة تعقبها، وقد يدفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى توسيع نطاق التعاون مع شركات التكنولوجيا، وربما فرض أطر تنظيمية أكثر صرامة على منصات الصوت، شبيهة بتلك المفروضة على وسائل التواصل الاجتماعي الكبرى.

الأطفال والشباب

تعليقًا على ذلك، أكدت فابيولا بدوي، المتخصصة في الشئون الأوروبية؛ أن الخطابات الأيديولوجية قد تكون مملة للشباب، لكن الأغنية أو النشيد يسهل حفظه وترديده، مما يخلق رابطًا عاطفيًا مع القضية المتطرفة قبل أن يدرك الضحية حقيقتها، وهو ما يجعل استخدام الجماعات الإرهابية، سواء كانت جهادية أو يمنية متطرفة، للموسيقى أداة نفسية فعالة.

وأكدت بدوي أن الأغنية ليست مجرد كلمات، بل هي هوية جماعية صممت لغسل أدمغة الأطفال والشباب في سن الحدث، حيث تبنى الألحان والكلمات لتذكير المستمع بـ»المظلومية» المزعومة، وتحويل الحزن إلى رغبة في الانتقام، كما أن الأناشيد تمجد التضحية عبر عمليات الانتحار أو القتل كأعمال بطولية واستشهاد.

هذا الأمر يجعل حاجز الخوف من الموت لدى المجندين الجدد ينهار، ولا يبقى أمامه إلا الولاء للقضية ويراها الطريق الوحيد للنجاة، بعد أن عزلته هذه المواد أو الأناشيد والألحان عن واقعه الحالي، وصنعت له عالمًا افتراضيًا موازيًا يبرر فيه العنف كوسيلة دينية مقدسة لتحقيق أهدافه.

وشددت الخبيرة في الشئون الأوروبية أن تلك المقاطع الصوتية تحولت إلى فخ لاصطياد المراهقين على الإنترنت، والشباب في الشرق الأوسط ليسوا بمعزل عن ذلك الخطر الذي ينتشر في أوروبا، لافتًا إلى أن الوعي هو السلاح الأول للمجتمعات، كما يؤكد الرئيس عبدالفتاح السيسي دائما في خطابات حول مكافحة التطرف، وذلك من خلال الكشف عنه وتعرية أساليبه أمام الرأي العام.

اقرأ  أيضا: بعد حدوث آلاف الهجمات الإلكترونية ..«اليوروبول» يحاصر شبكات «الدارك ويب»

;