صراع «لقمة العيش» والقانون| كيف تحايل «شباب المقاهى» وأصحابها على الغلق المبكر؟

بعض المقاهى إلتزمت بقرار الغلق وبعضها خالفت
بعض المقاهى إلتزمت بقرار الغلق وبعضها خالفت


مع دقات الساعة ١١ مساء، تبدأ شوارع القاهرة فى خفت الأضواء وفقًا لقرار الدولة بترشيد الاستهلاك، هناك من التزم بشدة وهناك خلف الأبواب المغلقة لبعض المقاهى عالم آخر، لا يعبأ بالقرارات، ليرسم علامة استفهام حول جدوى الإغلاق.

اقرأ أيضًا| بخطط محكمة.. الداخلية توجه ضربة قاصمة لتجار المخدرات

فى جولة ميدانية للأخبار، رصدنا واقع المقاهى بعد ساعة الحظر، فهل نجح القرار فى تحقيق أهدافه؟ فى شارع جانبى بمنطقة شعبية، كان الصمت فارضًا نفسه، واجهات المقاهى انطفأت أضواءها، والكراسى مرصوصة بعناية، وأبواب حديدة نزلت لتعلن انتهاء النشاط، لكن بمجرد أن تقترب قليلًا، تبدأ آذانك فى سماع نشاط بالداخل، همسات الزبائن، ورائحة الشيشة، إشارات تدلك أن هناك حياة بالداخل ولكن بنصف إضاءة.

وفى مقهى آخر، تحول مقطع فيديو قصير لصورة أحد الزبائن من باب «الهزار» إلى دليل إدانة، فبينما ظن الجميع أنهم فى مأمن خلف الأبواب الحديدية، كشف الفيديو المستور، لينتهى الأمر بمحضر رسمى وتشميع المكان، ومع اعتراف صاحب المقهى بالتحايل، أغلقت المنشأة لتكون رسالة حاسمة بأن الرقابة قادرة على اختراق الأبواب المغلقة.

وفى محاولة للأخبار لتفسير هذه الممارسات، كان لإيهاب السيد -عامل مقهى - رأى لا يخالف القانون وإنما يبرز ضائقة مالية لفئة لا تملك إلا قوت يومها «اللى بينزل مع الوضع ده نازل يشتغل عشان بيته ياكل، وفر للعامل يوميته واديله معونة وهو مش هاينزل»، كلمات إيهاب لخصت حالة الكثير الذين لا يسعون للوقوف ضد القرارات الحكومية، لكنهم يريدون توفير متطلبات حياة عائلة بأكملها، وتكشف الحجاب عن صراع أبدى بين المادة رقم 1 فى حياة المواطن وبين قرارات ترشيد الطاقة.

اقرأ أيضًا| حدائق القاهرة الكبرى تتأنق

يمتد المشهد لمراقبة المواطنين الملتزمين؛ ففى شبرا الخيمة، يرى أحمد ماجد (موظف) أن الالتزام يقتصر على الشوارع الرئيسية فقط، بينما تظل الشوارع الجانبية غارقة فى الضجيج، مؤكداً أن غياب رقابة المحليات هناك يُفرغ القرار من أهدافه.

وفى منطقة المقطم أكد محمد جلال - كاتب - وجود التزام تام بمواعيد الغلق، مشيرًا إلى وعى أصحاب المحال والمقاهى بمسئوليتهم تجاه الأزمة الحالية؛ حيث يبادرون بالتنبيه على الزبائن قبل الإغلاق، ويعوضون ذلك بالتبكير فى فتح أبوابهم صباحًا. وأوضح أن الإغلاق المسائى سمة طبيعية فى أوروبا بفضل اعتياد المجتمع لا القانون، داعيًا المواطنين لتغيير نمط حياتهم ببدء العمل مبكرًا، مؤكدًا أن «الرزق» يتطلب التبكير وليس السهر.

لم يخل الأمر من «فهلوة» المصريين، واختراع بدائل، حيث ظهرت أنماط جديدة للالتفاف على القرار، وتحولت السيارات إلى مقاهٍ متحركة، فضلًا عن الجلوس فى بعض الشوارع على أطراف القاهرة (خاصة شيراتون والنزهة ومدينة نصر) بأدوات الشاى والقهوة وأحيانًا الشيشة داخل السيارات أو برقبها، مما تسبب فى ازدحام مرورى، فضلًا عن التجمعات بالمحلات المتواجدة فى «البنزينة» لأنها مستثناة من القرار..

وفى تصريحات لخبير التنمية المحلية رضا فرحات، أكد أن قرار الغلق فى ١١ مساءً، استهدف «ساعة الذروة» الاستهلاكية، مشيرًا إلى أن تغيير النمط السلوكى للمصريين يحتاج وقتًا وتكثيفًا أمنيًا، محذرًا من الآثار السلبية للقرار على حجم المبيعات ومصدر دخل العمالة غير المنتظمة.

ويبقى قرار ترشيد الطاقة فى صراع مع «الفهلوة» التى تتخفى خلف الأبواب المغلقة أو تهرب إلى الشوارع الجانبية، فالرهان الحقيقى ليس فى الغلق الإجبارى أو المحاضر، بل فى كسر ثقافة الالتفاف على القانون، والإيمان بأن المصلحة العامة ليست عدوًا للقمة العيش، بل هى الضمانة الوحيدة لاستقرارها.