«نون النسوة».. الخير بأيد ناعمة

«داليا» حولت النوايا الطيبة إلى مؤسسة.. ولمّة الصديقات أصبحت منظومة رحمة

داليا عاصم صاحبة مؤسسة «نون النسوة»
داليا عاصم صاحبة مؤسسة «نون النسوة»


لم تبحث حينها عن لقب، ولا عن صفة «فاعلة خير»، كانت تؤمن فقط بأن العطاء حين يخرج من القلب، يجد طريقه وحده، دون بوصلة أو خارطة موجهة، ومن «لمة أصحاب» شهرية، جمعت الرغبة فى فعل شيء نافع، وخرجت البذرة الأولى عندما قررت مجموعة من صديقاتها أن يذهبن معًا للتبرع فى المستشفيات، بلا ضجيج ولا انتظار مقابل، فقط لزرع أثر من الرحمة فى حياة من يحتاج..

اقرأ أيضًا| وحدة وطنية.. تزيين شفاء الأورمان وتوزيع الهدايا على مرضى السرطان

داليا عاصم صاحبة مؤسسة نون النسوة الخيرية تحكى لـ«الأخبار» عن البدايات قائلة «فى إحدى الجلسات مع صديقاتي، قلت جملة بدت بسيطة، لكنها كانت مفتاحًا لكل شيء «لو كل واحدة فينا اتبرعت بمية جنيه، مش هنتأثر، بس ممكن نكون سبب فى إنقاذ إنسان».. كنت أعنى كل كلمة فيها، لأنه لم يكن المبلغ هو المهم، بل الفكرة نفسها  أن الخير ممكن، وأنه أقرب مما نظن، ومن هنا بدأت البركة تتسلل إلى كل نشاط صغير، واتسعت الدائرة شيئًا فشيئًا.

زاد عدد المشاركات، وتحولت مبادراتنا الصغيرة إلى أفعال منتظمة ومنظمة، ومع الوقت شعرت أن ما نفعله لم يعد مجرد محاولات فردية، بل مسار يحتاج إلى مساحة أوسع.

تضيف داليا «أنشأت صفحة على «فيسبوك»، وصارت كل فعالية دعوة مفتوحة، وكل نشاط حكاية تُروى. أصبح الخير فعلًا تشاركيًا، يقترب من الناس ويشبههم، بعيدًا عن أى شعارات.. ومع اتساع الأثر، بدأت وسائل الإعلام تلتفت، وصارت بعض القنوات تتابع أنشطتنا وتوثقها. لكن كنت أعلم أن استمرار هذا العمل يحتاج إلى كيان يحمى الجهد ويضمن بقاءه.

اقرأ أيضًا| لمساعدة الأهالي.. مبادرة شبابية في قرية «قصاصين الأزهار» بالشرقية| صور

لذلك، وبعد رحلة عطاء غير رسمية امتدت أكثر من سبع سنوات، قررتُ إشهار مؤسسة خير نون النسوة للتنمية، لتتحول النية إلى مؤسسة، واللمّة إلى منظومة رحمة.

واليوم لم تعد «نون النسوة» مجرد فكرة للتبرع، بل شبكة حياة تمتد جذورها إلى كل مكان فى مصر. فى منطقة 15 مايو، أصبحنا نوفر أربع مقابر صدقة جارية، تُدفن فيها الحالات التى لا تملك مأوى أو قدرة على توفير مقابر، ونتولى كل التفاصيل، من الغُسل حتى الدفن، فى مشهد إنسانى يعيد للوداع معناه الكريم. وفى قرى الصعيد، نعمل شهريًا على وصلات مياه تحمى الأسر من المعاناة اليومية، ونبنى الأسقف للبيوت الفقيرة. المساعدات هنا ليست عابرة، بل تدخلات تمس جوهر الحياة. وفى المستشفيات الحكومية، نشارك فى دعم المنظومة الصحية، سواء بشراء أجهزة طبية، أو سرائر، أو توفير الأدوية للمرضى غير القادرين. كان هدفنا أن نكون صامتين فى تخفيف الألم، بلا أى ادّعاء.

وتضيف «لم أنسَ الفئات الأكثر قسوة فى ظروفها. نزور الصيادين، نقدم لهم الملابس والبطاطين والطعام، ونبقى مستعمرة الجذام ومشفى العباسية للأمراض النفسية ضمن أولوياتنا. فى الأخير، لم يكن العطاء مجرد تقديم أشياء، بل محاولة لاستعادة شعور بالفرح والكرامة، لكسر صمت العزلة».
ومن أعظم محطات العطاء، كانت مساعدة من بُترت أقدامهم، بالنسبة لى لم يكن الطرف الصناعى فقط هو المهم، بل العلاج، والتأهيل، والكراسى المتحركة، وسداد الديون، وفتح مشاريع صغيرة تمنحهم شعورًا بأنهم قادرون على الوقوف من جديد.

وتكمل حديثها «الأيتام ودور المسنين أيضًا لهم نصيب فى قلب المؤسسة من حفلات، واحتياجات، ولمسات حنان لأننى أؤمن أن بعض القلوب لا تحتاج مالًا بقدر ما تحتاج من يشعر بها. ووسط كل ذلك، لم تتوقف موائد الطعام عن الانتشار، تُوزع الوجبات بلا مواسم محددة، لأن الجوع لا ينتظر المناسبات.

ومع اتساع الدائرة، لم يتراجع حلمي، بل كبر. نجحنا فى بناء مسجد، ونعمل حاليًا على إنشاء مسجد آخر، وتكمل داليا حديثها «لم أقدّم نفسى يومًا كقائدة أو مؤسسة، بل كجزء من جماعة، أؤمن بأن الخير حين يُشارك، يتضاعف. فتحت الباب ودعوت الجميع للدخول، بلا شروط أو شعارات كبيرة. دائمًا كنت أقول: «افعل ما تستطيع، وسيكمله الله».