احم احم

«موتشاس جراسياس» إسبانيا !

هشام مبارك
هشام مبارك


لم يكن موقف إسبانيا مجرد بيان دبلوماسى عابر، أو موقف محسوب بدقة على ميزان السياسة، بل كان أقرب إلى صرخة أخلاقية واضحة رافضة للظلم .

لو عثرت على مصباح علاء الدين لطلبت منه أن يأخذنى فورًا إلى إسبانيا، وأن يصطحبنى فى جولة أقوم خلالها بالمرور على بيت كل إسبانى وإسبانية لأشد على يد كل الشعب الإسبانى وأنا أقول لهم بامتنان: «موتشاس جراسياس» يعنى شكرًا باللغة الإسبانية. ففى الوقت الذى اختلطت فيه المواقف، وتبدّلت فيه البوصلة لدى كثيرين، تبرز إسبانيا لتعيد التذكير بأن الضمير الإنسانى لا يزال حيًا، وأن صوت العدالة يمكنه أن يعلو وسط ضجيج المصالح والسياسة. من هنا، تأتى إسبانيا لتحتل مكانة خاصة فى قلبى وقلب كل من لا يزال يؤمن بأن الحق لا يُقاس بالقوة، وأن الإنسان لا يُختزل فى حسابات النفوذ.

«موتشاس جراسياس»، كلمة بسيطة، لكنها اليوم تحمل من الامتنان ما يفوق حدود اللغة، بعد مواقف مشرفة اتخذتها مدريد حكومةً وشعبًا، فى وجه سياساتٍ ظالمة، وانحيازاتٍ فجّة تجاه القضية الفلسطينية، التى باتت اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم.

لم يكن موقف إسبانيا مجرد بيان دبلوماسى عابر، أو موقف محسوب بدقة على ميزان السياسة، بل كان أقرب إلى صرخة أخلاقية واضحة رافضة للظلم، ولتحويل القوة إلى أداة لفرض الأمر الواقع. هذا الرفض لم يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل امتد إلى الشارع الإسبانى، حيث عبّر المواطنون عن غضبهم بطريقتهم الخاصة، حين أحرقوا دمية تجسد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، واعتبروه رمزًا لما وصفوه - وهم على حق - بالشر المطلق. قد يختلف البعض حول أساليب التعبير، لكن لا يمكن إنكار دلالة هذا المشهد ولعل أكثر ما أسعدنى أن هذا المشهد الشعبى أثار غضب نتنياهو نفسه، وكأن الغضب الشعبى العالمى بات عبئًا إضافيًا عليه، يطارده فى كل مكان. ربما لأن الحقيقة حين تُقال بصوتٍ عالٍ، تصبح مزعجة، خاصة لمن اعتادوا أن تُدار الأمور فى صمت أو تواطؤ. كم أسعدنى أن يشعر هذا الكائن بالنكد لعله يذوق بعضا مما يذيقه للأبرياء صباح كل يوم.

لم يتوقف الموقف الإسبانى عند حدود القضية الفلسطينية، بل امتد ليشمل رفضًا واضحًا للضغوط الأمريكية، حين طُلب منها الانخراط فى العمل العسكرى ضد إيران، أو حتى استخدام قواعدها العسكرية كمنصة لمهاجمتها. هنا أيضًا، اختارت إسبانيا أن تقول «لا»، فى وقتٍ أصبحت فيه كلمة «نعم» أسهل وأكثر أمانًا لكثير من الدول. هذا الرفض لا يمكن قراءته فقط فى سياق السياسة، بل فى سياق أعمق ألا وهو استقلال القرار، واحترام سيادة الدولة .

المفارقة اللافتة، والتى تستحق التأمل، أن إسبانيا - التى كانت يومًا أرض الأندلس، حيث ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية قبل أن تسقط نتيجة صراعات داخلية - كان يمكن أن تحمل فى ذاكرتها التاريخية مشاعر مختلفة تجاه العرب. كان يمكن، نظريًا، أن تكون أكثر بعدًا، أو حتى أكثر تحفظًا تجاه قضاياهم. لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. إسبانيا اليوم لا تنحاز للعرب لأنهم عرب، ولا للفلسطينيين لأنهم مسلمون، بل تنحاز لما هو أبسط وأعمق، للعدالة وللحق. إنها الفطرة السليمة التى ترفض الظلم أيًا كان مصدره، وتقف ضد «البلطجة السياسية» مهما كان صاحبها قويًا أو مدعومًا. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الموقف. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط على الدم أو الدين أو الجغرافيا، بل على منظومة القيم المشتركة. 

إن ما فعلته إسبانيا - شعبًا وحكومة - يعيد الأمل فى أن العالم لم يفقد توازنه بالكامل، وأن هناك دائمًا من يملك الشجاعة ليقول «لا»، حتى عندما تكون الكلفة مرتفعة. وفى زمنٍ تُقاس فيه المواقف بالمصالح، يصبح للمواقف المبدئية وزنٌ مضاعف. لذلك، فإن «موتشاس جراسياس» ليست مجرد تحية عابرة، بل رسالة تقدير حقيقية لدولة اختارت أن تكون فى صف الضمير، لا فى صف القوة. رسالة تقول إن الشعوب لا تنسى من يقف معها، حتى لو كان بعيدًا، ولا تنسى أيضًا من يخذلها، حتى لو كان قريبًا. وإذا كانت هذه المواقف لن تغير وحدها موازين القوى، لكنها بالتأكيد تغيّر الوعى العالمى، وتذكّرنا بأن الحق لا يموت، وأن هناك دائمًا من يراه ويؤمن به، ويدافع عنه. وهذا، فى حد ذاته، بداية الطريق.

رددوا معى مرة ثانية وثالثة ومليون مرة: «موتشاس جراسياس» إسبانيا، مع كل التمنيات القلبية بمزيد من النكد لنتنياهو وتابعه البرتقالى .