د. آية الهنداوي
لم يكن الفن في تاريخ الأمم ترفًا ثقافيًا أو نشاطًا هامشيًا منفصلًا عن قضايا المجتمع، بل كان دائمًا أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي والدفاع عن الهوية الوطنية.
وفي تاريخ مصر على وجه الخصوص، ارتبط الفن ارتباطًا وثيقًا بفكرة الوطن؛ فكان الصوت الذي يعبّر عن نبض الشعب، والمرآة التي تعكس آماله وآلامه، والسلاح الناعم الذي يحمي الوجدان الوطني من محاولات التزييف أو التشويه.
فالفن المصري، منذ بداياته الحديثة في مطلع القرن العشرين، لعب دورًا يتجاوز حدود الترفيه ليصبح جزءًا من معركة الوعي الوطني. ففي لحظات الخطر أو التحديات الكبرى لم يقف الفنانون على الهامش، بل كانوا في مقدمة الصفوف، يكتبون ويغنون ويمثلون ويرسمون دفاعًا عن فكرة الوطن. لقد تحولت الأغنية إلى نشيد للكرامة، والمسرح إلى منصة للتنوير، والسينما إلى سجل حيّ يوثق صمود المصريين وإيمانهم ببلادهم.
ولعل التجربة المصرية تقدم مثالًا واضحًا على قوة الفن في تعبئة الشعور الوطني. فقد شكّلت الأغاني الوطنية، والأعمال السينمائية، والدراما التلفزيونية، عبر عقود طويلة، ذاكرة وجدانية مشتركة للمصريين، رسّخت معاني الانتماء والتضحية والعمل من أجل الوطن. ومن خلال هذه الأعمال، لم يكن الدفاع عن مصر مجرد خطاب سياسي، بل أصبح إحساسًا إنسانيًا عميقًا يتسلل إلى القلوب والعقول في آنٍ واحد
إن رسالة الفن الحقيقية لا تقتصر على تصوير الواقع فحسب، بل تمتد إلى تشكيله وتوجيهه. فالفن القادر على خدمة وطنه هو ذلك الفن الذي يزرع الأمل بدل اليأس، ويعزز الثقة بدل الإحباط، ويذكّر الناس بأن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالإرادة والعمل والإيمان بالمستقبل
ومن هنا تتجلى أهمية الفن في مواجهة حملات التشويه والحروب المعنوية التي قد تستهدف المجتمعات. فالفنان، مثل الجندي في ميدان المعركة، يحمل مسؤوليته الخاصة؛ سلاحه هو الكلمة والصورة واللحن، ومعركته هي معركة الوعي. وعندما ينجح الفن في تقديم صورة صادقة لوطنه، وفي ترسيخ قيم الانتماء والكرامة، فإنه يسهم في بناء جدار معنوي يحمي المجتمع من الانقسام أو فقدان الثقة في ذاته.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تدرك قيمة ثقافتها وفنونها هي الأمم الأكثر قدرة على حماية هويتها. ومصر، بما تمتلكه من إرث حضاري عظيم وتاريخ فني عريق، تدرك جيدًا أن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو رسالة ومسؤولية. رسالة تقول إن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو قصة نرويها، وأغنية نحفظها، وصورة نحملها في الذاكرة والوجدان.
ولهذا يبقى الفن المصري، في جوهره، أحد خطوط الدفاع عن الوطن؛ لأنه يحمي الروح التي يقوم عليها هذا الوطن. فحين يبدع الفنان عملًا صادقًا يعبر عن مصر وتاريخها وأحلام شعبها، فإنه لا يقدم مجرد عمل فني، بل يشارك في كتابة فصل جديد من قصة هذا البلد الذي علّم العالم منذ آلاف السنين أن الحضارة تبدأ بالفكرة وتستمر بالإبداع.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







