جاءت الحرب الإيرانية كحجر كبير ألقى فى بحيرة العالم ليحرك مياه النظام العالمى الراكدة، ويسرع بالتغيير المنتظر. عالم القطب الواحد الذى ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتى أصبح مجرد ذكرى باهتة. الهيمنة الأمريكية المطلقة. الصين تحولت إلى عملاق اقتصادي، وروسيا تستعيد عافيتها العسكرية. قوى أخرى تفرض نفسها فى أقاليمها، كل هذا يشير إلى أننا نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب، لكنها أقطاب إقليمية، حيث لكل منطقة من مناطق العالم ثقلها وكبيرها الإقليمى الذى لا يمكن تجاوزه.
فى العالم العربى والشرق الأوسط، قد تكون فرصة تاريخية لترسيخ وجود قوى إقليمية مؤثرة تحل محل القوى العظمى، من خلال استثمار الموقع الاستراتيجى الفريد، والثروات الطبيعية الهائلة، والخصوصية الثقافية والحضارية. لو أن هناك تنسيقا عربيا حقيقيا، سيكون للعالم العربى صوت يسمعه الجميع. وسط آسيا أيضا يمكن أن يتحول إلى فضاء للقوة الناعمة والصلبة معا، وإفريقيا قد تجد فى نظام القوى الإقليمية فرصة لتجاوز إرث الاستعمار والتهميش.
لكن سيناريو القوى الإقليمية ليس من السهل تنفيذه، فالقوى الكبرى الحالية لن تترك مسرح الأضواء بسهولة، فهى تمتلك أدوات النفوذ القديمة والجديدة من الحروب الاقتصادية إلى الحروب السيبرانية، من التحالفات العسكرية إلى الدبلوماسية السرية. كما أن المناطق التى نتمنى أن تصبح أقطابا إقليمية تعانى من تحديات داخلية عميقة، فالعالم العربى مثلا لا يزال يعانى من الانقسامات والصراعات التى تستنزف طاقته وتشتت جهوده.
الأكثر تعقيدا أن النظام العالمى الجديد لن يكون استبدالا لقطب بآخر أو توزيعا عادلا للقوة، بل سيقوم على صراع معقد بين منطقين متناقضين، منطق العولمة الذى يطمس الحدود ويخلق ترابطا كونيا، ومنطق القوميات الذى يعيد إحياء الخصوصيات. هذا الصراع قد ينتج عالما هجينا، لا هو بالعالم متعدد الأقطاب بالمعنى التقليدى ولا بالعالم الإقليمى النقي.
لم تعد أمريكا اللاعب الوحيد على الرقعة الدولية، والصين تدرك جيدا أن صعودها يواجه مقاومة، وروسيا تبحث عن مكانها تحت الشمس. فى هذا الفراغ النسبي، تظهر فرصة تأسيس قوى إقليمية، بشرط أن تكون قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية وتقديم مشروع نهضوى شامل.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







